حازم مبيضين
تحظى وحدات حماية الشعب الكردي في سوريا بدعم أميركي واضح وعملي، بنفس مقدار حظوتها بالدعم الروسي، كما أن هدنتها المعلنة مع النظام، وتحالفها مع فصائل في الجيش الحر، تمنحها أفضلية ليست لسواها في سوريا. عدوها الوحيد هو تركيا وداعش، وهي تتقدم على كل جبهة حاربت فيها وتحرز انتصارات على عدة جبهات، ما يعني وجوب أن يكون لممثليها السياسيين مقعد معتبر، في أية مفاوضات تستهدف وضع حد للحرب المستعرة منذ خمس سنوات، وهي ربما تكون الرابح الأكبر فيها، حيث تؤدي إلى إنشاء منطقة حكم ذاتي برضا دمشق ورغم أنف أنقرة.
تؤشر المعطيات على الأرض، أن هناك معركة مقبلة في (إعزاز) التي اعتبرتها تركيا خطاً أحمر، لن تسمح للكرد أو قوات النظام بالاقتراب منه، وتدرك أنقرة أن السيطرة الكردية على اعزاز، ستكون حجر الأساس الرئيس في قيام كردستان سوريا، حيث يتجاوز المقاتلون الكرد كل الخطوط الحمر التي تبجحت تركيا بإعلانها، ولكنها اليوم تبدو عاجزة عن مواجهة طموح الكرد في إنشاء كيان مستقل بهم على حدودها الجنوبية، بعد فقدانها لفعاليتها على الأرض السورية، نتيجة إسقاطها لمقاتلة روسية، حيث أن أية غارة تركية على الأراضي السورية، ستكون عرضة للمضادات الروسية، وأي تدخل بري سيكون غير محمود العواقب، في ظل تداخل الجبهات في ساحة المعركة، والحرص الروسي الواضح على عدم تفويت أية فرصة للانتقام من أنقرة.
بالنسبة إلى تركيا، فإن اندحار المعارضة في حلب، يعني سقوط المدماك الأخير في مشروعها السوري، وها هي عاصمة سوريا الاقتصادية تشهد مواجهات بين فصائل معارضة ومقاتلين كرد في احيائها، بغية الوصول إلى الطريق العسكري والمدني الوحيد الواصل بين أحياء المدينة وريفها الشمالي، وذلك بالتزامن مع تقدم قوات النظام على تلك الجبهات، واقترابه من مدينة عندان وهي الأقوى عسكرياً وذات موقع ستراتيجي، وتمثل السيطرة على جبالها بداية فرض الحصار على حلب.
شكّل الكرد، في تركيا وسوريا الهم الأكبر لأردوغان، وتعاطى مع ذلك على خطين متوازيين، توصل مع سجينه عبد الله أوجلان إلى اتفاق على وقف الأعمال الحربية في الأناضول، وانسحاب المقاتلين إلى جبال قنديل في العراق، تمهيداً للبحث في مطالبهم ووضع حد للحروب المستمرة بين الطرفين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخطط لإقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية بعمق ثمانين كيلومتراً، يجمع فيها النازحين العرب ليشكلوا درعاً يمنع الكرد السوريين من السيطرة على الحدود، غير أن الرياح لم تأت كما اشتهى لسفنه، فقد انهارت الهدنة مع حزب العمال الكردستاني، وعادت الحرب إلى الأناضول، ولم يوافق الأطلسي على المنطقة الآمنة، ولم يبق أمام أردوغان غير الزج بقواته إلى داخل سوريا، وتلك خطوة محفوفة بالمخاطر يرفضها جيشه وتحيطها تعقيدات لم تكن في حساباته.
يتعامل كرد سوريا مع الأحداث ببراغماتية، وهم اليوم أصدقاء للجميع في مواجهة العدو التركي، الذي ساعدهم في معركة كوباني، وقد حسموا خيارات صداقتهم مع الأطراف التي تتفهم حلمهم في إنشاء إقليم غرب كردستان، مستفيدين من انتصارهم في معركة كوباني، وبعده لم يعد مشروعهم في سوريا سراً، فخريطة «روج آفا» أصبحت قيد التداول، وباتت لهم ممثلية في موسكو وتلك مجرد بداية لافتتاح ممثليات في دول أخرى، وهم يتحركون اليوم متفهمين لحاجة أطراف الصراع الدولي لهم، فواشنطن تتحالف معهم ضد داعش، وموسكو تدرك دورهم في قطع إمدادات المعارضة السورية من تركيا، والنظام يتعامل معهم باعتبار أن عدو عدوي صديقي، وهم حلفاء لحزب الله وكانوا الجهة الوحيدة التي تمكنت ونجحت من فك حصار نبل والزهراء، وكانت مواقعهم غرب البلدتين ممراً للمؤن الغذائية والإمدادات لهما، وليس سراً أن التحالف الكردي الشيعي في ريف حلب، كان وطيداً منذ الأيام الاولى للأحداث في سوريا.
لم يتصادم كرد سوريا مع النظام، الذي جدد تحالفه مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، كرد على احتضان أنقرة لمعارضي النظام، وهم قبل تفجر الأحداث اقتصرت مطالبهم على حقوقهم الثقافية والسياسية، المتعلقة بخصوصية هويتهم القومية، إضافة لمطالب عامة تتعلق بالحرية والديمقراطية والتعددية على مستوى البلاد، غير أن هذه المطالب تطورت مؤخراً لتصل إلى الفيدرالية والحكم الذاتي والاعتراف الدستوري بهم كقومية ثانية، وهم يؤمنون على وقع الشعارات القومية، أن سوريا المستقبل لا يمكن أن تكون دون تحقيق مطالبهم، خصوصاً بعد سيطرتهم على العديد من المناطق، وإقامة بنية إدارية وأمنية في معظم المدن، التي باتت الأعلام الكردية ترفرف فوقها، والسيطرة واضحة فيها لعناصر «الاتحاد الديمقراطي» التابع عملياً لحزب العمال الكردستاني، وذلك بالضبط ما يثير المخاوف التركية، خصوصا مع وجود مكون علوي في منطقة لواء اسكندرون الحدودية، يعارض سياسة أردوغان تجاه النظام السوري، والمهم بالنسبة لقضية الكرد العادلة ان يحذروا من محاولات إيقاع فتنة بينهم، تسعى لها تركيا عبر الفصائل المعارضة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وكذلك علاقتهم مع الجيش الحر المدعوم من العدو التركي، والمؤمن أن هناك تحالفاً بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي، فقضيتهم اليوم تمر بمرحلة مفصلية، تجوز فيها البراغماتية على أن يرافقها الحذر والانتباه.

