Pdf copy 1

د.حسن الجنابي
 تتعزز حقوق الانسان في اوقات السلم والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، وتتعرض للانتهاك في اوقات الحروب والعنف والاضطرابات الاجتماعية والانهيار الامني. وتختلف شدة الانتهاكات من حالة الى اخرى، لكن اشد تلك الحالات جذبا للادانة هو وقوع ضحايا بين المدنيين الذين لايشاركون مباشرة بالحرب، لكنها تفتك بهم وتحاصرهم وتفقرهم وترملهم وتقتل معيليهم ان كانوا قصرا وغير ذلك من مآس واحزان.
لم تعد الحروب تجري في ساحات بعيدة يشتبك بها فرسان اشداء مع خصومهم، بل على العكس فان الحروب الحديثة، والارهاب آخر تجلياتها، تجري داخل المدن وسط التجمعات السكانية، وتتشابه مصائر المدنيين في غالب الاحيان مع مصائر رافعي السلاح المشتركين بالحرب مباشرة. ولهذا فمن البديهي ان يكون المدان الاول والمسؤول عن الانتهاكات التي تحصل هو الارهاب، الذي يحول السكان الى دروع بشرية، قد تمتنع معها القوات الامنية او تتردد في اقتحام المدن او قصف المواقع او الانتظار او الهجوم، ولكل من هذه الخيارات كلفته الباهظة ايضا، وبالنتيجة فان دحر الارهاب هو الواجب الاول للقوات الحكومية، ولاشك فان الطريقة التي تدار بها الحرب تؤشر الى مديات احترام حقوق الانسان وبالذات “القانون الدولي الانساني” او “قانون الحرب” وهو القانون الذي يحدد التزامات الدول بالميادين الانسانية اثناء الحروب والنزاعات المسلحة، سواء كانت حربا خارجية او داخلية، كشؤون الاسرى والجرحى والمرضى والنازحين والمدنيين العزل والممتلكات غير العسكرية وغير ذلك مما ثبتته معاهدات جنيف الاربع في عام 1949.
التزام سياسي وأخلاقي
في الحرب الدائرة حاليا لدحر تنظيم “داعش” الارهابي، تتعاظم مسؤوليات القوات الامنية العراقية والحشد الشعبي في حرصها على تحرير الاراضي والمدن من قبضة “داعش”، وفي تقليل الخسائر البشرية وتقديم الخدمات للضحايا المدنيين. 
وتعكس التقارير الصحفية والتلفزيونية مؤخرا صورا للعديد من السلوكيات الانسانية المتقدمة للقوات الامنية في تعاملها مع المدنيين وتقديم المساعدات للضحايا.
والوقت نفسه، ونتيجة لشدة المواجهة مع الارهابيين المتمترسين في المدن والتجمعات السكانية. نشرت تقارير تداولتها وسائل اعلام ومنظمات حقوقية عن الضحايا المدنيين، وارتكبت وقد ترتكب جرائم من قبل عصابات وافراد ينشطون خارج اطار القانون وخارج سيطرة القوات الامنية، على الرغم من تعهدات وتعليمات رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، واصراره على محاسبة المجرمين ممن يثبت تورطهم في تلك الانتهاكات. 
وهنا يصحّ تسجيل ان التعاطي الحكومي مع التقارير الدولية الصادرة عن يونامي او المنظمات الحقوقية الاخرى أخذ منحى الانفتاح والانخراط في حوارات لتدقيق المعلومات الواردة في تلك التقارير، وفسح المجال امام المنظمات الدولية والمقررين الخواص لمجلس حقوق الانسان لزيارة العراق والمواقع المختلفة واللقاء مع المعنيين، وهي اجراءات تعكس محاولة الحكومة الجادة لاحترام القانون الدولي الانساني، والتزاما سياسيا واخلاقيا يستحق الاشادة في ظل حرب شنيعة يشنها الارهابيون الذين يستهدفون المدنيين بالاساس من المختلفين دينيا وطائفيا، ويستندون الى ايديولوجيا وادعاءات مبهمة وممارسات وحشية في بيئة جيوسياسية ملتبسة يحاول الكثير من لاعبيها الاساسيين استخدام داعش واخواتها لتحقيق مكتسبات سياسية وعسكرية واقتصادية.
جرائم الإبادة الجماعية
من المعروف ان خوض حرب “نظيفة” لا يقتل بها الا المتقاتلون هو امر غير واقعي، وخاصة في الحرب لدحر الارهاب. فالارهاب “ظاهرة اجتماعية” وحربية جديدة، وهو يعتاش في جانب منه على احداث و”مظالم” بعضها حقيقي، كالفقر والعزل والتمييز والاضطهاد وما شاكل، وبعضها الاخطر مُفترض اومُتخيّل يستند الى ايديولوجيا التطرف والشعارات والايمان الاخرق بامكانية عودة العالم الى عصور الظلام والجهل والسبي والغزوات التي تلغي معطيات العالم المعاصر.
 وفي العراق فان الارهاب المستشري، يرقى في الكثير من اوجهه الى  جرائم الإبادة الجماعية، وهو لا يهدف الى تحقيق برنامج او نظام حكم معقول او قابل للحياة، بل الى خلق حالة من الرعب الشامل والفوضى في المجتمع، وايقاع الفتنة بين مواطني البلد الواحد، واتباع اساليب القتل والتهجير والاختطاف وحرق الممتلكات العامة وتحطيم دور العبادة وتدمير البنى التحتية، وغير ذلك من ضروب الإرهاب والوحشية التي تمسخ التعاليم الحقيقية السمحاء، وتقدم قراءة مغلوطة لها او لبعض الاحداث والمقولات التاريخية بطريقة لا يقبلها العقل والمنطق. 
وبسبب ذلك فقد تكون الكلفة الانسانية لمواجهة الارهاب باهظة حتى في حال تجنب المواجهة وانتظار تطور الاحداث دون تدخل عسكري او هجوم، لانه يطيل معاناة المواطنين الذي وجدوا انفسهم تحت سطوة “داعش”، واستمرار الدمار الاجتماعي والاقتصادي، و”التعايش” مع انتهاك السيادة، والرضوخ  لشروط الارهاب والسماح له بتقوية قبضته على الارض والمجتمع، وارتكاب المزيد من الفظاعات، مما يجعل الحرب مع الارهاب لدحره سريعا واجباً من واجبات الدولة لحفظ النظام وحماية المجتمع، وفي الدولة الديمقراطية، اسهاما في حماية الحقوق الاساسية للمواطنين وتحريرهم من قبضة الموت الداعشي.
حاجات ومعالجات فورية
تتسع قائمة تحديات حقوق الانسان في العراق مع اتساع الحراك الشعبي والمظاهرات المستمرة في بغداد والمدن الاخرى، ومسؤولية الاجهزة الامنية في حماية الارواح والممتلكات واحترام الحق في التعبير والاحتجاج السلمي، وهي حقوق يضمنها الدستور، وكذلك الامر مع اتساع المعركة ضد تنظيم “داعش” والارهاب بكل اشكاله. ففي مقارعة الارهاب ستكون المناطق المحررة من قبضة “داعش”، والى فترة قد لاتكون قصيرة، هشة وبحاجة قصوى لمعالجات فورية ومساعدات انسانية واقتصادية كبيرة، فضلا عن الحاجة الى تعزيز الاستقرار الامني، ومنع الجريمة والتعاطي الايجابي مع المشكلات الاجتماعية والمادية والتركة الثقيلة لسيطرة داعش، وتقوية اجهزة حفظ الامن والنظام وتطبيق القانون، وهي الاجهزة المعنية باحترام مبادئ حقوق الانسان. وسيكون عليها من الجهة الاخرى توفير شروط انخراط المواطنين بدون استثناء في حماية مناطقهم واستعادة التلاحم المجتمعي بعيدا عن افرازات الطائفية والانتماءات العشائرية والاثنية التي عمقتها جرائم داعش البشعة، لان ذلك يمثل سدا منيعا ضد عودة داعش والفكر الداعشي باشكال اخرى، والعمل بالتزامن مع ذلك على عودة النازحين وادماج الناجين من اسر داعش، وخاصة من النساء والاطفال الذين عانوا جرائم الاغتصاب والعبودية وتحطيم الاواصر العائلية والاخفاء القسري وغيرها.ولذلك فمن المنصف والمطلوب ان يكون استعداد الحكومة لاعادة البناء في المناطق والمدن المحررة وتوفير الموارد المالية المطلوبة مشابها لقدرتها في دفع فاتورة الحرب ضد الارهاب، اي ان الامر يجب أن يبقى اولوية قصوى الى حين عودة الاستقرار والتلاحم الوطني.
تحديات حقوق الانسان
الى جانب مخلفات ومضاعفات الحرب مع الارهاب تنتصب امام العراق تحديات كبرى في مجالات حقوق الانسان، وهي تشغل اهتمام المعنيين وخاصة اثناء جلسات انعقاد مجلس حقوق الانسان، وبالنتيجة هي تحديات نابعة من التزامات العراق بالعهود والاتفاقات الدولية.
فقضية الاعدامات ستبقى شائكة، وكان تنفيذ هذه العقوبة في العراق قد علق، ثم اعيد العمل بها نظرا لاتساع الهجمات الارهابية، وان قائمة المحكومين الذين يقعون تحت طائلة الحكم بالاعدام طويلة نسبيا، رغم الحرص الحكومي على استنفاد الاجراءات الخاصة بالحكم والاستئناف وغير ذلك مما يفرضه القانون، وموقف الرئيس العراقي السابق الاستاذ جلال طالباني في عدم التوقيع على تنفيذ الاحكام بالمحكومين، والاشكالية المتعلقة بما يمكن تفسيره على انه “رغبة” فئات واسعة من العراقيين بتنفيذ الحكم بالمدانين الارهابيين.
 كما تحتل قضية المرأة الاولوية لدى الدول المتقدمة، وكانت محاولة تقديم مشروع زواج القاصرات من عمر تسعة اعوام قد اثارت الكثير من الارباك والجدل والاستفهام في الاوساط الدولية، حتى بعد فشل المشروع وسحبه من امام مجلس النواب، باعتباره احتمالا ممكنا في المستقبل. اما قضية الاقليات ومستقبل وجودها في موطنها الاصلي، بعد ان انحسرت عدديا وتعرضت الى محاولات الابادة وجرائم التهجير والمضايقات والشعور بالتهميش والاغتراب والعزلة، هذا فضلا عن تحديات التنمية في بلد شهد من الحروب والدمار مالم يشهده بلد
 آخر.

التعليقات معطلة