يوسف حمدان
شاعرة ناقدة، باحثة وأدبية أطفال.. ومحاربة (عنيدة) فيما يدعى (قضية النِّساء) أو (الجنسوية)، وهي تتبنّى قول جورج طرابيشي: « مادامت القضيّة قضيّة نساء، فالنّساء هُنّ خير من يرافع عنها».. « وكما في الثّورات جميعاً، كذلك في الثورة النّسوية: فالهدف هو التحرّر لا التحرير».. وهي تقرّ بوجود رجال مدافعين ومناضلين من أجل انتزاع «إقرار» بأنها هي الأخرى إنسان.. ولكن والحال هكذا فهو غير كافٍ في رأي طرابيشي، وفي رأيها.. إلاّ أن نقرَّ «أنّ الرجل هو ذاته ليس إنساناً، بل مجرد مضطهد»..
قرأت هذا في كتاب (خصوصية الإبداع النسوي) الصادر في عام 2001 عن وزارة الثقافة، والموضوع عبارة عن ورقة عمل لزليخة أبو ريشة جاءت تحت عنوان (اللغة والجندر).. وأصابني ما أصاب جورج طرابيشي، فكتبت قصيدة على لسان الشاعرة زليخة حملتُ فيها لواء فكرتها أو قضيّتها تحت عنوان (قُلْ يا آدم).. وهي قصيرة ومختزلة:
أعرفُ أنّي منذُ خُلقْنا كنتُ الضُلْعَ القاصرْ
كنتُ الطَّرف الخاسرْ..
وأنتْ..
يا لكَ مِنْ «أنتْ»
كنت الحكَمَ الجائرْ!
ومضيتُ
أخْضفُ نفسي خلْقَكْ..
تبتعدُ أمامي
وأتْبعُكَ كظلِّك.. !
وأما التفّاحة كُنْتَ الأوَّلْ
لم آكلْ نصْفاً الطولْ..
قُلْ يا آدم
من يُخرجُ صوتَكَ منكْ؟
صمتُك طالْ؟
وأنا أخصفُ نفسي خلْقَكَ في أسوأ حالْ؟!!
ويبدو الأمر كذلك بالنسبة للمفكر السوري (د. صادق جلال العظم) الذي كتب في حاشية مقدمته لكتابة (في الحبّ والحبِّ العذري) الذي صدر في السبعينات من القرن العشرين بأنه يدين اللغة العربية المذكرة، والتي يستخدمها مضطراً لعدم وجود البديل.. وزليخة نفسها وقبل اطلاعها على كتاب العظم أو أي كتاب آخر في النّسوية اللغوية، كتبت في مقدّمة رسالتها -كما تقول- «بأنها غير مسؤولة عن اللغة المذكّرة التي تستخدمها، ما لم يشر السِّياق إلى غير ذلك».. والإحساس هذا بذكورة اللغة «منبثق عن الإحساس بذكورة الثقافة التي هي نتاج طبيعي لهيمنة النظام الأبوي البطركي، وتصنيف الناس إلى طبقات وإثْنيَّات، وأعراق، وجنسين، وناس في الصحة، وناس في الإعاقة.. الخ الخ»..
وهذا المقطع من قصيدتها (طقوس لحنجرة الفتى القادم)..تُرى من تخاطب زليخة فيه؟.. فلنقرأ لنعرف:
على حديد الصّراط مشيتُ وحدي
لأقطف الخطط الواهنة
وشوائب الأمسات الماطرة
وهناك
عند ذاك المنعطف المنفعل ببقايا الضوء
كان ينبغي أن أراك
متشاغلاً بالحكمة
وطمي الكلمات
لم تقلْ شيئاً
عند ذاك المنعطف المنفعل ببقايا الضّوء
فقط
عقدت حزنك حول عنقي
ومشيت إلى الدّاخل
بعيداً….
(2)
زميلنا الشاعر (محمد سلام جميعان) في ملف (محور المرأة والشّعر) الذي تضمّنه العدد الجديد كم مجلة (تايكي) رقم (13/2003م) الصادر عن (أمانة عمان الكبرى- الدارة الثقافية).. يقول تحت عنوان (زليخة أبو ريشة: شاعرة تتراشق بالخفاء مع غجر الماء): «لا يكاد يذكر اسم الأدبية زليخة أبو ريشة إلا ويقرنه الذّكوريون بزليخة الفرعونية دون التفطن إلى إطار حياتها الواقعية، وبتغييب قصديَّ – غالباً- للتفاعل المتبادل بين دعوتها إلى التحرّر والتحرير، فهي تجسّد وتسعى إلى تحرير المرأة من المجال المغناطيسي الذي يجذب إرادات النّساء نحو القهر والعبودية والإخضاع والتّمتع.. إن اختصاراتنا للأشياء والأشخاص هي التي تشوّه المعنى..».. وهو – جميعان- يريد أن يخلص إلى القول عن زليخة الأدبية بأنها «مبدعة متعدّّّدة أجناس الإبداع.. لا تجزيء قضيّتها، فلها رأي كامل عن الحقيقة كما تراها.. تشي بذلك نصوصها.. وقد اتصلت قصائدها بالإصلاح العملي، بقدر اتصالها بالتجريد الصّوفي والفيض النفسي..»..
الماءُ فوقنا
الماءُ تحتنا
الماءُ فينا
الماءُ منّا
الماءُ إلينا
الماء ُ أنت.. الماءُ أنا.. نحنُ الماء
فليتجمد الماء
لتتجمّدْ مُدننا مدن الماء
لتتجمّدْ أحلامنا أحلام الماء
آخ..
لقد نعست (غجر الماء)
بتأملنا للنص تتكشف عمليةخضوع الذّات لروحيتها المستيقظة والإنخطاف بالتداخل السّيّال المتمثل في الوحدة الشعورية البهيجة- على حدّ تعبير جميعان- إذ لا إنفصام في العلاقات بين الأنا والعالم والأشياء، ويغذي هذه العلاقة التي تعمل بها ظروف المكان: فوقنا.. تحتنا.. فينا، وكذلك الضمائر: أنا.. أنت .. نحن، وهذا ما حقّق اللحظة الشعرية ومنحها قيمتها العظمى، بحيث تضحى الصورة معادلة للكون كله.. الخ الخ»..
أما التراشق بالخفاء فتعمد الشاعرة إلى «إيصال الإنسن بالعالم من خلال القبض على مفاتيح الحقيقة ومناجاة الرؤى الغيبيّة»:
أيْ أمواج الزّوال العظيم!
هل مقتضى الوجود
أن نتخيّل
حتى نريد؟
وكيف نريد
إذا كنّا خارجنا
نتجوّل في الهواجس
ولا صفة لنا
إلا أنا؟
(3)
أما الشاعر الناقد (أحمد المصلح)، فكان قد كنت نقداً أو قراءة في مجلة (أفكار) العدد (156) أيلول 2001، تحت عنوان (تجليات المرأة في تراشق الخفاء لزليخة أبو ريشة) بدأه بالخوف والمغامرة: الخوف من وقوع النّاقد في شرك الإغراء المنصوبة على كامل مساحة النّص بروح المغامرة والجرأة والتّحدي في الآن نفسه.. ذلك لأن كتابات زليخة النثرية»تنطلق من موقف مسبق يستند إلى الرؤية – الجنسوية- في الحياة الإجتماعية، وكذلك نصوصها الشعرية المنحازة إلى المرأ’ عبر جنسوية الرؤية أيضا..
فتكاد تصل في حدودها القصوة إلى اتهام الأدب بالذكورية وحتى اتهام اللغة بالذكورية أيضا..ذلك ما يجعل النص لديها يتحول إلى (شبكة علاقات معقدة تنحل في الغالب إلى ثنائيا تضدية على مستوى الرؤية, وإلى تمرد مشاكس على مستوى الأنساق الشعرية..الخ الخ»..
ويزاول الناقد(المصلح) استقراءه لديوان (تراشق الخفاء) فمنذ السطور الأولى تبتديء القصيدة الأولى برسم الثنائية الضدية (المرأة- الرجل)..
لا مصوّر إلا أنت
فكيف سترسمني إذا عليك استعصيت
وعوَّجْتًكَ في أصابعي؟
وحدّة التساؤل تقود (المصلح) إلى التساؤل إن كانت المرأة هي الشاعرة نفسها في (تراسق الخفاء)؟ أم أنّ المرأة كائنٌ آخرُ شعريٌّ؟.. ويتسلق (المصلح) نفسه إلى تساؤل آخر إن كان هذا الشِّعر عن تجربة عاشتها الشاعرة على أرض الواقع المعيش؟
كان الياسمين تعرّقي
والصهباء سرّني المستديرة
دخلتني الأنواء
فعرفت من اكون
أنا الباب..
من يستعجلني فأنفتح
أنا باءُ القلب
فشحي يطول..
والنّص التالي- يقول المصلح- بأنه قد يخدع الناقد فيوقعه في شرك الإغراء، ومنها الشرك الصوفي، فيظن
أنه في مواجهة امرأة برهانية وليست امرأة حسّية، لهذا يرتكه ويبحث عن تجليات المرأة في غيره، فيكتشف من جديد بأنه أمام تجربة شخصية واضحة:
• خفيّاً كالغناء الخفيِّ رأيته
ولما رأيته أدركته
ولما أدركته نسيتُه
• ذات يوم كان في سرّتي
قلة الشّهوة البيضاء
ريق المحبّين
عذبٌ ذاك الحديثُ الذي لا ينتهي
• دخلا الغرفة متفرّقين
المرأة تحمل كتاباً
والرجل قرنفلةٌ حمراء
انحشر الصّبيْة قلايلاً خلف الباب
منتظرين تمام المشهد
لكنّ الإثنين
غطّا في النّوم عميقاً فوق المقعد الوحيد
فتدافع الصّبيْة وانصفق الباب
ويخلص الناقد (أحمد المصلح) إلى القول: وأيّاً كان الجواب فالنتيجة أننا أمام امرأة تقرأ- بضمّ التّاء- شعراً:
لا يرحم الليل أحداً
وأخشى النوم في الورق
وكلّما تمت
استيقظتْ تلك القصائد

