Pdf copy 1

د. سعد العبيدي 
في العراق، يمكن القول ان المجتمع قد نادى بالإصلاح منذ بضع سنوات أعقبت التغيير، فكانت المناداة الاولى صوتا طال الدستور الذي طالبت فئات من المجتمع بتعديله، أي اصلاحه بعد تشريعه مباشرة، بعد أن استشعرت وقوعها في فخ الوعد بالتعديل، ابان عملية الصياغة والتشريع، وهكذا تداول المصطلح بين الناس الواعين بالسياسة وشؤون الحكم، ليتسع التداول حتى شمل عموم الناس العاديين الذين لا يعي بعضهم المعنى الفني للمصطلح. من هذا يتبين ودون لبس أن العملية السياسية برمتها في حاجة الى اصلاح، بعد أن تبين عدم صحة تركيبتها، وعدم ملاءمتها مع حاجة المجتمع العراقي الى العيش بتجانس وانسجام، وتبين أن سبيلها في الادارة والحكم قاصر عن تلبية الحاجة الى الشعور بالرضا والامان وقدر مقبول من الرفاه. لكن الاصلاح مشكلة معقدة في مجتمع مليء بالعقد مثل العراق، اذ لا يمكن ان تكون فقط مشكلة تطبيقية عند الصياغة والرغبة واصدار الأوامر، بل هي في الواقع أشمل من هذا وذاك، فأول التعقيدات ما يتعلق بالنوايا الفعلية والاستعدادات الجدية ومديات القبول، تتبعها توجهات الأصحاب المعنيين بالعملية السياسية وشركائها، حين تراهم ينادون جميعاً بالإصلاح، وفي داخل الواحد منهم سعي للاستئثار، ورغبة في جعل الإصلاح على طريقته هو وبما يضمن توسيع هامش نفوذه في دائرة الحكم، ومن بعدها تعقيدات ذات صلة بالوضع العراقي المطلوب اصلاحه، أهمها مشكلة الحرب، فالحرب بحاجة الى تخصيصات مالية ضخمة لإدامة فاعلية الآلة العسكرية وفي ظروف العراق المالية الصعبة تكون التخصيصات على حساب التنمية والرفاه، واصلاح من أي نوع وبأي مستوى لا يكون نافعاً دون تنمية، ودون تحقيق الرفاه بمعاييره الدارجة للمواطن المتعب، والحرب بحاجة الى ادارة بجهد يخصص في معظمه لقيادة المعارك، والى فريق وزاري منسجم بأهداف تتمحور حول النصر الحتمي في سوح القتال، وظروف الحرب تحتاج الى أن تُقنع الحكومة شعبها بالأهداف لتحصل منه على تأييد لقراراتها ورضا في تحمل أعباء الحرب، وتحتاج الى وعي عال من قبل الشعب وثقة عالية بالحكومة لكي يعطي لها المجال لأن تتحرك بثقة عالية بغية تأمين أهداف الحرب… معادلات يحكمها التناقض في ظرف مليء بالمصاعب التي يراد في ظلها تحقيق الاصلاح، فهل يمكن تحقيقه؟.
سؤال يطرح نفسه، والاجابة عليه لا تتعدى القول بأنه ممكن فيما إذا اتخذت الأطراف المعنية قرارات صعبة، وتفهمت جدياً الواقع الصعب الذي يعيشه العراق، وخرجت من عباءة الذاتية الحزبية الى الوطنية العراقية وشرعت هي في داخلها بعملية اصلاح بنيتها التي أدت بالعراق الى أن يكون مجتمعاً ببنية مضطربة في حاجة الى ترميم واصلاح.  اذا ما تم الأخذ بالاعتبار أن الاصلاح كمشروع بناء لا يتأسس فقط على تشخيص الخلل والاعتراف به والرغبة في تحقيقه، واذا ما اقتصر على هذا فسيبقى المشروع برمته مجرد دوران غير نافع في دائرة مغلقة لا نفاذ منها سوى الى الخراب.

التعليقات معطلة