بقلم: اعتدال غنام
أن ألتقي مرة أخرى بحرف شبابي ناضج واع , يحمل الوطن بأفراحه وأتراحه بحبه وتعاسته , فهذا ما يجعلني أقول أن وطني وشبابه ما زالوا بخير, يحارب الأديب بسلاحه الأقوى فيشحذ قلمه جيدا , ويخط حروفه على ورق ناصع البياض فتصير الحروف والدموع ممزوجة بخيبة كبرى من خيبات الوطن . هنا لا بد لي أن أبكي وأبكي على دفاتر الأيام الماضية وأن أجوب الذكريات الأليمة بين طيات الكتاب , فأقف احتراما لمن استطاع أن يوصل رسائله الأديبة بطريقة ذكية لا لبس عليها .
خيانة مقدسة :رواية خيطت حروفها بخيوط حريرية وطنية مخلصة للقضية , فالروائي هنا يطرز ثوب الحكاية من واقعه المعاش والذي عاشه الأجداد . منذ أن اقتلع الأحباب عند الديار وصار الغرباء يستوطنون المكان , بعد قراءتي للرواية صور لي أن الكاتب رجل سبعييني أو ثمانيني خبر الحروب الكثيرة وأراد أن ينقل تجربته إلى الشباب الثائر , ولكن حقيقة الأمر أن الكاتب شاب بالعمر مسن بالحكمة وناضج بالتجربة فلذلك كان نور الحرف يشع حكمة وتجربة خيانة مقدسة هي العمل الثاني للروائي أحمد الحرباوي بعد روايته في كانون يموت الحب حيا وهذه الرواية صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون -لبنان . عام 2016
هذا العمل الأدبي الناضج , الذي يقف على مفترق طرق يصرخ الكاتب في كل قارئ أن استيقظ , شكرا أحمد فكثيرا ما وقفت باكية , دغدغت مشاعرنا , أخذتنا إلى القدس ففي حاراتها بكينا وفي حارة السعدية بالتحديد رقص القلب حبا لأمل قادم , وبكيت خوفا ولكن الثبات كان حليفي , فبيوت الأجداد فقدت معالمها وصارت آيلة للسقوط بيد الغرباء , دب الخوف أركاني وبلادنا تسقط في يد الأوغاد وبنادق العربان لم يكن فيها من الرصاص إلا رصاصة صدئة فأكل وطني ونهش لحمه على مرآى الكل ,
حب الوطن جبل بحب الإنسان للإنسان , فلا يمكن أن أفصل حبي برفيقي عن حبي بوطني هذا ما قاله الكاتب ولكن حب الوطن يبقى ذو أولية كبرى فيقول كاتبنا أليس الوطن أفضل طريق نمشي إليه وندافع عنه مهما كلف الثمن , فوليد البطل دفن حبه العتيق لأجل وطنه الذبيح
خيانة مقدسة
كيف تجتمع الخيانة يا أحمد بالقداسة معا , أليس هذا الأمر مدهشا وغريبا . العنوان وحده خكاية فلسفية تستطيع أن تأولها كما تشاء وتكتب عنها رواية أخرى الخيانة كلمة منبوذة لا يحبها أحد ويعاقب مرتكبها عليها فيصبح ذات يوم من النادمين إن كان بقي ضمير , مقدسة فحسب ما جاء في قاموس العرب بأنها الشيء المبارك الذي يبعث في النّفس احترامًا وهيبة فهنا لا بد من تفصيل للحكاية فكما قلت أن وليد البطل خان خبه الذي تفاني لأجله كثيرا , والذي تخلى في لحظة ما عن رفاقه لأجل هذا الحب الذي كان بنظره مقدسا ولكن النهاية كانت مفجعة بالحدث الجشع والمر , وليد تصير رصاصات الغدر على مسافة صفر منه , ولكنه ينجو بإعجوبة ويخون الحبيبة لأجل الحبيب الأكبر , فنهاية الرواية بداية الحكاية فوليد الذي استيقظ ذات صباح باكر وحدق إلى السقف فعرف مكانه قد استيقظ حقيقه من سبات حبه الموبوء بالغدر فاستيقاظ أحمد له دلالتان استيقاظ حقيقي بمعنى النهوض , واستيقاظ معنوي بمعني إزالة غشاء الوهم عن العين بعد اصطدامه بواقع يهودي خبيث مر .
شخصيات الكاتب :
واقعية مقنعة بكل تفاصيلها و أفعالها جميعها نامية ما عدا شخصية والد جمان الجامدة على حالها , المعتدة بأرث تفاليدها البالية شخصيات رئيسة : هما: وليد , آثر , ميس , أنس , رند , رأفت
شخصيات ثانوية : جمان ووالداها .
جمان الفتاة الخليلة التي تعيش ظروف القهر مع والدها والتي أجبرت على الإنفاق على البيت وعلى والدها المدمن , جمان الفتاة التي تمردت على واقعها اللئيم فكان الموت لها قريبا بحجة تدنيس الشرف , أما والدها الذي كان للاحتلال الآثر الكبير عليه باستغلاله وتعاطيه للمخدرات وهنا يظهر دور الكاتب في فضح هذه الممارسات أما والدة جمان , فهنا برزت المرأة الضعيفة ولكنها صرخت ذات يوم بصوتها العالي في وجه الظلم ولكن لم تدم صرختها طويلا وهذا هو حال الكثير من النسوة في مجتمعنا رأفت الذي ظهر قليلا في الرواية جاء مدعما للأحداث فهو محارب قديم نفي إلى الخارج ذات ليلة ظلماء ,
أحداث الرواية : أحداث نامية متسلسلة تأخذك بين الماضي والحاضر , فاللجوء والتشريد حاضر في طيات الخروف المتأكلة وجعا , ابتدأ ت الأحداص بصحوة وليد الحقيقة وانتهت بصحوته المعنوية وهنا إشارة إلى صحوة مستقبلية سيعيها كل إنسان بات لديه ضمير,
الزمان :للرواية زمنان . زمن الذكرى الحاضر الآن ومكانه الخليل وتحديدا البلدة القديمة وقهوة بدران أما الزمن الثاني زمن النكسة الحاضر في القدس .
لغة الرواية :
لغة سردية بامتياز تخلليها النقاش والحوار
فكثيرا ما كانت الشخصيات تقف في حوار داخلي مع ذاتها وهذا ما نسميه المانولوج الروائي والحوار الداخلي دائما يشير إلى صحوة الضمير . مفرداتها بسيطة و الألفاظ سهلة لا تعقيد فيها و لا يشوبها الغموض .
أبهرني أحمد بالتشخيص و التصوير الفني و خلع صفة العاقل لغير العاقل و إنطاقه
برع الكاتب بإبراز بعض المآسي ومعاناة الشعب الفلسطيني و الحقائق التاريخية و تفنيد المزاعم اليهودية حول تاريخهم المزوَّر وذلك في حوار أنس ورهام
وهذا تنم عن ذخيرة تاريخية يتمتع بها الكاتب ، و توسمه بالحس الوطني الثوري الرافض للتهويد و الاحتلال ، المتمسك بالآصالة و التجذر و التاريخ الأصيل ….
العقدة : عقدة الرواية تجلت في بروز وجوه الغرباء وحديث آثر عنهم , الغرباء الذي استوطنوا قلوبنا بحجة أنهم أحباب , فكانت الطعنة منهم ذات أثر موجع أكثر من طعنة الغريب المعروف , النهاية : خسر وليد المعشوفة وكسب العاشق الأكبر .

