علي شايع
لم تكن مطاردة شعرية، لكن واقعة سياسية جرت، ستحتاج الى قول ثقيل، يصف ما نحن عليه.. قول يذكّر لا محالة ببيت يتساءل شاعره بحزن جم، حيث يقول:»متى يبلغ البنيان يوما تمامُه…إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدمُ؟».
لم تكن مطاردة شعرية، لكن جليساً حكيماً قال على إثر البيت، وبصيغة سؤال أيضاً، اختصر الكثير:»فلو ألف بانٍ خلفهم هادم كفى..فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم؟».
من يتابع (محنتنا) الوطنية، وبما ينطبق عليها الحال والمآل من معان في البيتين السابقين، سيعيد ما جرى في السنوات الأخيرة الى قمة التل، كما يقولون وصفا لكرة الثلج المنحدرة من سفح الأعوام المتتالية، والمتراكمة منذ أيام التغيير الديمقراطي الأولى، محدثة خللاً إدارياً كبيراً في بناء الدولة، كان يبدو في سالف الأيام كما لو أنه تبعة لكلّ حكومة مرّت، تاركة عثرات موحشة للقادمين بعدها، حتى تكسرت النبال على النبال، وتراكمت الأخطاء الى الحدّ الذي أثقل كاهل الحكومة الأخيرة بشكل مفزع، تبدو فيه كرة الثلج الهائلة بأقصى تعجيلها هذه الأيام، وكأنها ستجرف الكثير في طريقها العاصف.
في بداية كل سنة، كنا ننتظر وضع الأداء الوزاري – وبالحسابات الدقيقة – على طاولة مكاشفة ومعاينة، قصد معرفة المدى الذي وصل إليه «البناء» في طريق «التمام»، وفي بحث العيوب والأخطاء، ومن أجل الإفادة من التجربة الإدارية، وربما يكون من الانصاف أيضاً أن يضع كل متابع (أو كاتب) موجزاً لما عاينه أو رصده خلال سنة من أخطاء.
في جانب المتابع المحايد، لعلّي أسجل – بأسف بالغ – متابعة خلل بقيت أكثر الوزارات تكرّره في السنوات الأخيرة؛ ففي تقارير نشرتها صحيفة «الصباح» الغراء عن أداء الوزارات العراقية في أعوام سابقة من خلال صرفها لمبالغ الموازنة، ورد فيها ما يشير إلى مخاطبة الصحيفة جميع الوزارات – وباستباق نهاية العام – رغبة منها بنشر المنجز الوزاري، لكن لم ترد الإجابة بالمأمول، إذ «لم تتفاعل» أغلب الوزارات بهذا الشأن. ولم يعد بالطبع من جدوى لمواصلة نشر هذه التقارير بصيغتها الناقصة، وبالتأكيد وُضعت الصحيفة على طاولة رئيس الوزراء غير مرّة، ولعلّ جهات حكومية تسجل هي الأخرى لمثل هذه الشكاوى، وربما يكون لدى البرلمان لجنة توثّق وتستنسخ وتوزع مقالات وكتابات على برلمانيين سيقترحون جلسات لإدارة الأزمة.
إدارياً، ربما يحق السؤال هنا عن أسماء تلك الوزارات أو المؤسسات، وربما يكون من الانصاف وضع جرد بما مرّ، إذ لا يسقط التقادم حقوقاً يمكن المطالبة بها يوماً ما، فالوزارات تحمل إرشيفاً إدارياً، هو وبحسب توصيات برلمانية، يجب أن يكون جاهزاً للتفتيش، خلال خمس سنوات مضين في أقل تقدير. في وقت الأزمات لا بد أن يكون كل مسؤول معلناً ومكشوفاً قيد أنظار الرأي العام أكثر من أي وقت، ولن يشفع له إلا أن يكون بهذا الحال، فالمواقف مرصودة والكلمات محسوبة والأفعال في الميزان، وعلى كل من يعنيهم الأمر إثبات جهودهم وبيان إمكانيتهم كمسؤولين، إذ أن الرهان على صنّاع الحلول.

