فيصل عابدون
نعيش مرحلة من التاريخ أبرز ملامحها تفشي العنف في كافة مفاصل الحياة. وهو عنف يومي مرتبط بالحروب الأهلية والإثنية والمجموعات المسلحة وجماعات التطرف وبالوحشية المصاحبة لكل ذلك. وهي مرحلة قاتمة وقاسية وستترك آثاراً وندوباً عميقة على مجتمعاتنا وطرائق تفكير وسلوكيات أفرادها.
في الماضي القريب كانت أشد المشاهد إيلاماً في الذاكرة الجماعية العربية هي مشاهد عنف جنود الاحتلال ضد الإنسان الفلسطيني في أرضه المحتلة. لكن الدائرة اتسعت بسرعة وبتنا نشاهد عنف جنود الغزو الروسي لأفغانستان ومن بعده وحشية الجماعات الأفغانية في اقتتالها مع بعضها البعض بعد انسحاب الغزاة. واقتربت دائرة العنف أكثر وازدادت هولاً مع تدفق أنهار الدماء في العراق، وبدء ظهور المتطرفين الذين يفجرون الأسواق والمدارس ويذبحون الأبرياء وينشرون الرعب والخوف والفوضى والاضطرابات.
واليوم تكاد موجات العنف تحيط بنا من كل الأطراف، فما يحدث في سوريا تقشعر له الأبدان، والتطرف نقل مشاهد الفوضى إلى دول أوروبية عديدة وإلى أنحاء واسعة من غرب إفريقيا وشمالها. والحرب تشتعل وتحصد المزيد من الضحايا في لبنان واليمن وفي السودان وأوارها لا يكاد يهدأ في مصر وليبيا.
دول قليلة فقط هي التي نجت من موجات العنف المجنون والمدمر. لكن حتى هذه الدول الناجية لم يسلم مواطنوها من التأثر بمشاهد العنف المروعة المنقولة عبر شاشات القنوات الفضائية. ومشاهد الأطفال الموتى والأجساد الممزقة وطوابير المشردين الهائمين على وجوههم متاحة للمشاهدة في كل ساعات اليوم ولكل الأعمار وهي مشاهد تحفر عميقاً في الوجدان وتزعزع السلام الداخلي للإنسان.
نحن لسنا بخير وسط هذه المشاهد المفزعة.. مجتمعاتنا ليست بخير وأجيالنا الحالية والقادمة ليست بخير، ولن نكون بخير حتى بعد انتهاء هذه الموجة المقيتة من القتل وسفك الدماء والعنف الجنوني. لسنا بخير وسنكون بحاجة حقيقية إلى مجابهة الآثار التي خلفتها الموجة على النفوس والأرواح والسلوك.
يقولون إن أوروبا عادت بعد الحرب العالمية الثانية إلى الرومانسية حتى تخلص ذاكرتها الجمعية من مآسي الحرب وأهوالها. لكن الوضع في منطقتنا قد يكون مختلفاً بعد انتهاء موجات العنف الحالية. ونحن نحتاج إلى تعبئة شاملة وجهود مشتركة ومتكاملة لتفادي الآثار العالقة بذاكرة الضحايا.
جهود جماعية تشارك فيها الكيانات الدينية والثقافية والجماعات الأكاديمية والمفكرون بمختلف تياراتهم. نحتاج إلى تشجيع الدراسات حول الظاهرة، تشخيص آثارها والأضرار المحتملة الناجمة عنها وطرق معالجتها. نحتاج إلى جهود مشتركة لاستعادة الاستقرار الروحي والثقة وتعزيز التماسك وثقافة السلام وروح التفاؤل.

