Pdf copy 1

باسكال بونيفاس

الانتخابات التمهيدية الأميركية أصدرت حكمها: ففي نوفمبر المقبل، من المرتقب أن يتقابل دونالد ترامب عن الجانب «الجمهوري» مع هيلاري كلينتون عن الجانب «الديمقراطيين»، وهما زعيمان متعارضان سواء من حيث الشخصية أو البرنامج الانتخابي، الأمر الذي من شأنه أن يستأثر باهتمام بالغ عبر العالم. ولكننا نرى من الآن، وانطلاقا من الطريقة التي يتابع بها العالم النقاش السياسي الأميركي، أن لدى الولايات المتحدة دوراً فريداً من نوعه على الصعيد العالمي، وإذا كانت الانتخابات الأميركية تحظى بمثل هذه المتابعة الكبيرة، من الشرق الأوسط إلى آسيا، ومن أفريقيا إلى أوروبا، فلأن الجميع يدرك أن نتيجتها يمكن أن تكون لها عواقب مهمة على بلده.
على صعيد القضايا الدولية والاستراتيجية، هناك هوة سحيقة تفصل بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب. فالأولى سياسية مخضرمة تتمتع بتجربة وخبرة كبيرتين، حيث كانت وزيرة للخارجية في إدارة أوباما الأولى، بعد أن كانت عضواً بمجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك لمدة ست سنوات و«سيدة أولى» للبلاد من 1992 إلى 2000. ثم إنها محاطة بفريق كبير وقوي من الخبراء والمختصين، علاوة على امتلاكها لشبكة علاقاتها الدولية الواسعة. أما الثاني، فلم يسبق له أن مارس أي مسؤولية ذات بعد دولي. كما أنه لا يستعين بخدمات أي خبير معروف ضمن فريق حملته، ويعترف بأنه يكتفي باتباع حدسه ليقرر ويحسم بشأن السياسات المهمة. واللافت هنا أن هذا لا يبدو أنه يثير تخوفات بين الناخبين في الوقت الراهن.
ولكن هذه هي حقيقة النظام السياسي الأميركي. فالولايات المتحدة تتمتع بوزن دولي ثقيل جدا، ولكن مواطنيها يبدون غير مهتمين كثيرا بقضايا السياسة الخارجية، وغير مدركين في الواقع لعواقب العولمة، ولاسيما حقيقة أنه إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال البلد الأهم في العالم، فإنه لم يعد من الممكن لها أن تتصرف من دون أن تأخذ رأي الآخرين في عين الاعتبار، وأن السياسة الأحادية لم تعد ممكنة في عالمنا المعولم.
دونالد ترامب أدلى بتصريحات صادمة أثارت إعجاب جزء من الناخبين الأميركيين، حيث اقترح منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وبناء جدار لمنع المكسيكيين والأميركيين من ذوي الأصول اللاتينية من القدوم إلى الولايات المتحدة (على حساب المكسيك)، كل هذا سعياً وراء شعبية بين الناخبين الأميركيين البيض القلقين من فكرة خسارة المعركة السكانية والتحول إلى أقلية بحلول منتصف القرن. بيد أن هذا البرنامج، بالطبع، غير قابل للتنفيذ كليا وستكون له عواقب كارثية. والواقع أن هذه ليست المرة الأولى التي يدلي فيها مرشح رئاسي بمثل هذه التصريحات التي يستحيل تطبيقها، لكن من جهة أخرى، يمكن القول إنه إذا انتُخب فإن مسؤوليات الحكم قد تلطّف من مواقفه وآرائه المتطرفة، التي كانت في الواقع مقلقة بما يكفي لتدفع أكثر من مئتي دبلوماسي عسكري ومتخصص جيوسياسي لتوقيع نص مشترك يحذّرون فيه من عواقب انتخاب ترامب على المصالح الوطنية الأميركية.
فتصريحات «ترامب» المثيرة للجدل تثير مخاوف البعض من أن يزجّ ببلده في مغامرات عسكرية جديدة، مغامرات كانت باهظة جدا، ليس بالنسبة للولايات المتحدة فحسب، ولكن أيضاً بالنسبة لبقية العالم. ولكن الخطر هنا يبدو أقل على اعتبار أن دونالد ترامب من دعاة الانعزالية، ومن المؤيدين لتقليد أميركي سابق على الحرب العالمية الثانية، حيث يريد ترك الحلفاء الأوروبيين والكوريين واليابانيين والعرب يدبرون أمورهم بأنفسهم ولا ينوي دفع الولايات المتحدة للدفاع عنهم. وعليه، فإن الخطر هنا يكمن في الانكفاء على الذات أكثر منه في نزعة مفرطة إلى التدخل. ولكن، مرة أخرى، يمكن القول إنه إذا انتُخب فإنه يمكن أن يتبنى سياسة مختلفة عن تلك التي يعد بها، ولكن القلق مستمر لأنه مرتبط أساسا بسجال متواصل في الولايات المتحدة بعد التدخلين العسكريين الكارثيين في أفغانستان والعراق.
وبالمقابل، هناك هيلاري كلينتون، المرشحة الكلاسيكية التي تمثل خطا أكثر تشدداً من باراك أوباما، ويمكن أن تجنح أكثر إلى التدخل عسكرياً في بؤر ساخنة في العالم. ولكنها في الوقت نفسه واعية بحدود إمكانيات تدخل أميركي في العالم، فنحن نعلم أنها كانت ترفض الاتفاق النووي مع إيران، ولكن من المستبعد أن تعمد إلى إلغائه، تماما على غرار مسلسل المصالحة بين الولايات المتحدة وكوبا. أما في ما يتعلق بالشرق الأوسط، فإنها أعربت عن تضامن قوي مع إسرائيل، وكانت من المؤيدين لحرب غزة في 2014.
وخلاصة القول إننا مع كلينتون سنبقى ضمن إطار سياسة أميركية معروفة، مع ما ينطوي عليه ذلك من حدود معروفة للقوة الأميركية. أما مع ترامب، فإننا سندخل إلى منطقة مجهولة لا يمكن التنبؤ بها.

التعليقات معطلة