Pdf copy 1

          قاسم ماضي –ديترويت
التجوال والتنقل على الورق الأبيض عبر مخيلة عاجة بالكثير من الهموم الطافحة والمسترسلة إلينا ، مما ولدت له صراعات نفسية وحربية على مستوى الذاتي ،وحتى يقذفها إلى القارئ ويتخلص من سمومها المطوقة عقله وقلبه صبها على الورق الأبيض ، بإعتبار الأدب رسالة تهدف إلى التأثير في القارئ .
وبالتالي يشكو « الحديثي « من معاناته ليرسل لنا شفرات إبداعية تتحول البنية على إثرها إلى شمولية الدلالة على مدى إتساعها في نداء إعماقه ، وهو صاحب المنجز،كونه عاش التجربة من خلال بطله « الرواي « وشخوصه .
الذي يقول في بداية الراوية « فتخيل الوطن َ الحبيب إلى معتقل كبير محاط بأسلاك شائكة ، وتنتشر فيه حمى الحديد والنار المخيفة « ص7
ويتعامل مع شخوصه وذاته كفيلسوف كما يقول « كيركجارد « الفيلسوف الوجودي « ان الحرية ديالكتيك لمقولتين هما « الامكان والضرورة « وظل هاجس الروائي يدور في أقبية وطنه العراق الذي مازال متسمراً فيه « لقد حفظت ذاكرتي أهم مشاهداتي وملاحظاتي في الإعتقال الثاني ، بعد أن أصبحتُ زبوناً دائماً ومن يدري « ص85
وبالتالي هو يكشف السرد الرسالي عن وصف وتحليل جوانب معينة ومحددة من تجربة الكاتب الذاتية ، والتي تتحرك عبر مسارات عديدة وهي مصدر أساس من مصادر صناعة الرغبة والموت والجنس وأفعال الحياة المختلفة ، أراد منها « الحديثي « توصليها إلينا ، وهو يدخلنا في فضاءات قسرية مخيفة بل ومرعبة ، فيها من الخوف والحزن والقلق الكثير .
« في هذه القاعة تستيقظ على عالم متشابك ومعقد ومتصارع ومعترك واسع بين الخير والشر ، وبين الفضيلة والرذيلة ص29 
كما يقول « سبينوزا « لا توجد في النفس إرادة مطلقة أي إرادة حرة ، بل إن النفس مجبرة على أن تريد هذا الشيء ، أو ذاك بمقتضى علة هي أيضاً محددة بعلة أخرى ، وهذه العلة بدورها محددة بعلة أخرى ، وهكذا إلى ما لا نهاية « فالرواية هي قريبة من الروايات البوليسسية لما تختزنه من مشاهد مرعبة «وفيها مساحات مختلفة ومتشابكة وفيها من السقم الكثير ، وكأنه يحمل كاميرا من نوع حديث « دجتل « ويغوص في أروقة حياة المواطن العربي المسلوب الإرادة ، عبر أبطال الرواية من جيل الشباب .ليدخلنا في هذا السرد « الحكي «مستشهدا ً في بداية الرواية بمقولة الكاتب « جبران خليل حبران « إنه حقاً لعجب أن نعيش في هذا اليوم عيشة الكلاب « ص5 
بأن كل خطاب سياسي معطى ، ولو كان طويلا جدا يستهدف فقط تمرير» فكرة «يمكنه على الأقل ألا يتضمن إلا مدلولا كليا واحدا*
« لا تحزن ، كلنا في الهوا سوا ، يختلف حكام العرب في كل شيء ، ، ويتفقون بطريقة حكمهم لشعوبهم «ص74
الذي يخضع تحت سيطرة الدكتاتوريات التي تحكمه وتتلاعب بمقدراته ،وهو الذي « المواطن « لا يزال لحظة كتابة هذه السطور يعاني الأمرين في وقتنا الحالي .
« وفي الجانب الآخر رجال دين يحكمون «ص79
وهذا التسجيل التاريخي الذي إنطلق منه « الحديثي « ليكون وثيقة تاريخية مزركشة بالهم والقلق والخوف الذي لا ينتهي ، أراد من خلالها وأقصد الرواية ، قول الكثير من الحقائق المختفية والمعلنة في واقعنا العراقي والعربي ، عبر شخوص شاهدها وتحدث معها في قعر السجون التي أوصلته لهذه الحقائق .لتبقى وثيقة لن تموت لأجيالنا القادمة .
« هكذا بدأت كل القصة ،وكل ما أصابني ، كل الضعف ، والقلق ، والخوف الدائم الذي أشعر به الآن ، لأنني لم أستطع إرضاء ضابط المخابرات « مازن « لا بل تكلمت عليه ، بما لا يليق بمقامه « الرفيع « ص72  ثمة أحداث كثيرة مرت به « طفولة + شباب + رجولة «وهو في روايته هذه ، هو الشاهد الوحيد الذي دوّنها مع شخوصه التي ضاعت في متاهات الغياب ، والموت ، والهروب ، أو أراد أن يقول لنا هذا ما حدث ، وها نحن بحاجة ماسة لمعرفة كيف وصلنا إلى هذه الهاوية وهي « دائرة الخوف « التي لا تنغلق من حياتنا ، بل تزداد الدوائر كل يوم في مجتمعاتنا العربية .
« وفي منتصف الليل ، ُطُرِق َ البابُ ، فخرجتُ لأعرف من الطارق ، فسحبوني بقوة ، ودفعوني داخل السيارة ، ضرب ، وإهانات متنوعة ، وأنزلوني في سرداب تحت الأرض ،كان فيه رجال رُبطِت أيديهم بوَتدٍ يخترق الأرض ، ولا يستطيعون الجلوس « ص73 
هذا ماقاله الشاب التونسي في معتقله ليوضح حقيقة هذه البلدان العربية ،هذه الشهادات هي وثيقة تاريخية مما تنطوي عليه من جرأة في هكذا وصف عما تمر به الأمة العربية ،وليس هذا فقط فهو كما قلت في البداية يعطي إشارات فلسفية وحوارية لجميع من يعيش على أرض العرب حتى يوقظ فيهم صحوة الحب والتعامل فيما بينهم بالأخوة الحسنة « لقد قرأنا كثيراً أن الإختلاف الفكري حالة تدل على تطور الفكر إذا ليس منطقياً ألا تتغيير الأفكار بتغير الزمان ص89  الجوانب الشاعرية والعناصر الروائية مجتمعة أو متفردة في هذا النص الروائي تراوحت في مستوياتها التعبيرية، واللغة هي الآلة التي تخلق النص وبدونها فلا وجود لها ، وعلى القاص والروائي « الحديثي « الذي أدخلنا بهذا النفق المظلم من عذابات هذا الزمن الحديث وهو زمن الحرب العراقية الإيرانية ، وما فعله النظام العراقي وكذلك الايراني « حيث أكد قول ميكافيللي الشهير « كل الحروب مبرراتها عقائد ومبادئ وحصادها دمار شامل ص84
أن يفعّل من لغته ويُشّغل اللقطات تشغيلا ً سينمائياً يفلمن بها المروي من الأحداث، ولو استخدم لغة بعيدة عن اللغة التقريرية لكانت روايته لها طعم خاص ومختلف كما اعتقد ويحرك فيها مباهج القراءة تحريكا ً صورياً وكا يقال هنا أو هناك يرتفع بلغة السرد إلى درجة التصوير الصافي على النحو الذي يتلقى فيه المتلقي لغة السرد تلقياً بصرياً أكثر منه ذهنياً .
ربما لان كاتب هذا النص آت من خلفية معرفية علمية غير أدبية لذا نجد لغته لها طابعها التقريري وفي السياق يبين ( أوستن وارن ) في كتابه نظرية الرواية الصادر1916 في معرض حديثه عن طبيعة الادب الى إشكالية اللغة وخصوصيتها الادبية حيث ميّزَ بين لغة العلم ولغة الأدب ووجد أن لغة الادب بعيدة عن التقريرية وأنها تحمل نبرة المتحدث بها وقد إنتبه ( أوستن ) الى قضية ذات أهمية قصوى في حينه وهي أن لغة الادب ذات رسالة تهدف الى التأثير في القارئ 
« نحن ننتفض على الحكومة ، نحن نحمل آمال الطلبة في التغيير « ص50  بقي أن نذكر أن الروائي « راسم عبد القادر الحديثي « درس وتخرج في اعدادية حديثة ، حصل على البكالوريوس في علوم الكيمياء ، وله رواية بعنوان « اولاد حمدان « الصادرة عن شركة دار العلوم للطباعة 2015 

التعليقات معطلة