Pdf copy 1

إي. جاي. دايون جونيور
لا شك أنك تدرك أن الأعمال الشريرة يمكن أن تكون مبرَّرة، بل وضرورية، لتحقيق نتائج وأهداف صالحة وعاجلة، اللهم إلا إذا كنتَ من دعاة السلم ومناهضي الحرب. لكن لابد أنك تدرك أيضاً القدرة البشرية على الأنانية وخداع الذات، اللهم إلا إذا كنت شخصاً غير أخلاقي. ذلك أن لدى الناس قدرة كبيرة على تبرير وتسويغ أشياء لا يمكن تبريرها كلياً من خلال حجب أعمالهم غير الأخلاقية خلف ادعاءات أخلاقية. وإذا كنتَ زعيماً سياسياً تتمتع بحس المسؤولية، فيجب أن تدرك طرفي هذه المعادلة الأخلاقية وألا تسمح لنفسك بألا تفعل شيئاً.
باعتباره أحد تلامذة عالم اللاهوت المسيحي الكبير رينهولد نيبر، الذي كان ليبرالياً وواقعياً، أمضى أوباما سنوات عديدة وهو يتأمل هذا التوتر، وحرص على اغتنام مناسبات لإلقاء كلمات وخطابات حول مفارقات الأعمال البشرية وصعوبة التنبؤ بها، وكذلك واجبنا في مواجهتها. بيد أن هذه العادة قد تكون مزعجة بالنسبة لمن يفضلون رؤية عالم يواجه فيه الأخيار الأشرار، حيث يُنتقد أوباما باستمرار لأنه «يعتذر» باسم الولايات المتحدة، بينما هو في الحقيقة لا يسعى إلا إلى الحفاظ على التزامنا بالمعايير نفسها التي تجعل من الولايات المتحدة الأمة «الاستثنائية» التي يتغنى بها منتقدوه. فأن نحكم على أنفسنا باستعمال معاييرنا الخاصة هو أفضل طريقة لإثبات أن التزامنا بها حقيقي.
ولذلك، فليس مفاجئاً البتة اختيار أوباما أن يكون أول رئيس أميركي يزور هيروشيما، المدينة التي ألقى فيها بلدُنا أول قنبلة نووية استُعملت في الحرب، و«أثبت أن البشرية تمتلك الوسائل لتدمير نفسها».
لقد كان خطابه قوياً بفضل واقعيته الأخلاقية. إنه لم يعتذر عن قرار الرئيس هاري ترومان باستعمال القنبلة، وإنما وضعه في سياق الدمار الذي تسببت فيه الحرب العالمية الثانية: «ستون مليون شخص يموتون.. رمياً بالرصاص، ضرباً، سيراً على الأقدام، قصفاً، سجناً، جوعاً، خنقاً بالغازات حتى الموت». وفي ثنايا هذه الجمل، التي تشير إلى السير القسري ومعسكرات الموت، يوجد تفسير لأسباب خوض الحلفاء للحرب أصلاً، حيث أشار أوباما إلى الأسباب التي تجعل الحروب حتمية.
وبطريقة «نيبرية» خالصة، حث أوباما حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم يكافحون ويناضلون من أجل العدالة، على توخي الحذر بشأن «كيف نتعلم تبرير العنف بسرعة باسم قضايا أنبل».
منتقدو أوباما ينظرون إليه باعتباره رئيساً يضع سقفاً عالياً للتدخل الأميركي أو يحاججون بأنه واقعي أكثر منه مثالياً. لكن الحقيقة هي أن الواقعية الأخلاقية صعبة لأنها تعني أن نقسو على أنفسنا ونقبل المآسي. فالأعمال التي نمارسها باسم أهداف مشروعة والأعمال التي نتجنبها من باب التحوط والحذر يمكن أن تكون لكليهما نتائج مروعة.
والواقع أن «نيبر» نفسه كان متحفظاً جداً بشأن القنبلة، ففي البداية وقّع بياناً صادراً عن «المجلس الفدرالي للكنائس» يعتبر أن الهجومين على هيروشيما وناجازاكي «أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً»، غير أنه خلص لاحقاً إلى أنه وزملاءه ربما كانوا قاسين أكثر مما ينبغي على «رجال الدولة… الذين تدفعهم قوى تاريخية أقوى من أي قرار بشري».
والحق أنه ليس من الصعب تفهم تحفظ «نيبر» الأخلاقي هذا، لأن ازدواجية أو تناقض المشاعر تجاه هذا الموضوع قد يكون الرد المناسب على عمل تدميري فظيع يتم اقترافه باسم تجنب مزيد من الدمار.

التعليقات معطلة