Pdf copy 1

         تيسير خلف 
منذ كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين، لم يظهر مؤلَّف عربي واحد يبحث في موضوع التراث الشعري العربي القديم بمنهج نقدي يتجاوز حتى رؤية صاحب “الأيام”، لا سيما وأن الإشكالات الكثيرة التي تحيط بالكثير من الشعراء وقصائدهم لفتت نظر الإخباريين الأوائل كأبي الفرج الأصفهاني الذي لفت النظر إلى تلفيق بعض شعر امرؤ القيس على يد دارم بن عقال، وبالأخص أبيات مدح السموأل.
صحيح أن بعض المؤلفين العرب كتبوا خلال السنوات الأخيرة في هذا الموضوع، ووصل أحدهم إلى نفي التراث العربي القديم جملة وتفصيلا، وعده من بنات أفكار إخباريي العصر العباسي! ولكنهم، في العموم، لم يتجاوزوا منهج طه حسين التشكيكي الرافض لواقعية هذه التجربة، وخصوصا لجهة طريقة التحليل التي اعتمدها عميد الأدب العربي، التي تعتمد المحاكمة العقلية البسيطة.
ولكن هل يكفي أن نقول إن الشعر الجاهلي في مجمله كان مختلقا؟ لا شك في أن ذلك افتئات على الحقيقة، وفيه ضرب من الذاتية التي قد تنطوي على مواقف مسبقة، نظرا إلى أن الكثير من التفاصيل والوقائع المذكورة في قصائد شعراء ما قبل الإسلام، ثبت أنها مرتبطة بأحداث حقيقية مذكورة في كتب مؤرخين سريان أو بيزنطيين، وخير مثال على ذلك قصائد النابغة الذبياني وحسان بن ثابت في مدح ملوك الغساسنة، حيث أتى النابغة على ذكر واقعة بعينها لم ترد إلا في تاريخ يوحنا الآسيوي، فما الرأي إذن؟
أظن أن هذا العبء ينبغي أن يقع على الجامعات العربية، وخصوصا كليات الأدب العربي، فحين تضع الجامعة خططا بحثية لرسائل الماجستير والدكتوراه، وتختار العناوين المحددة وفق تصور شامل، وتستفيد من المناهج النقدية المعاصرة، فحتما سنصل إلى نتائج مهمة على هذا الصعيد. لقد قطعت مناهج البحث في الجامعات الغربية أشواطا كبرى في هذا الاتجاه، ولنا في المدرسة الألمانية دليل حي على المستوى الرفيع الذي بلغته الدراسات الأدبية النقدية، منذ ثيودور نولدكة في القرن التاسع عشر، وصولا إلى الباحث كلاوس كلير. تحتاج مدارس النقد الأدبي في عالمنا العربي إلى اعتماد منهجيات جديدة في قراءة الموروث الشعري العربي. مناهج تستفيد من مدارس تحليل المضمون، تعتمد مقاييس ومعايير كمية وموضوعية، وغوصا في الجزئيات، وإعادة نظر في الكثير من المسلمات اللغوية وغير اللغوية، وإلا فسوف نظل نراوح بين رؤيتين متناقضتين، تمثلان جوهر الثنائية الفكرية العربية المعيقة لأي تطور محتمل، إحداهما تعد الشعر الجاهلي صحيحا في إجماله، تاريخيا في أحداثه، والأخرى ترفضه رفضا قاطعا وتعده تهويمات متأخرة، ربما تعود إلى العصر العباسي في أحسن الأحوال.

التعليقات معطلة