علي حسن الفواز
تكشف حادثة الهجوم الإرهابي في مدينة أورلاندو الاميركية عن خطورة (الطائفية الدولية) بوصفها إرهابا ممنهجا، وسلوكا عدائيا يقوم على الكراهية، وعلى الإفصاح عن وجوده بهذه البشاعة.
هذه الحادثة الدامية تثير حولها الكثير من التساؤلات، فالجهات الأمنية الاميركية كانت تتحدث عن عمليات ارهابية مُحتملة، وعن وجود حواضن وجماعات تتبنى هذه العمليات، لكنها بالمقابل تتحفظ على الكثير من الإجراءات التي تتعلق بإدانة الدول التي تدعم الإرهاب فكريا وماديا، وأحسب أنّ حادثة تراجع الأمم المتحدة عن ادانة التحالف الذي تقوده السعودية في ارتكاب جرائم حرب ضد الأطفال في اليمن، يضعنا أمام طبيعة الضغوط والتهديدات التي قامت بها دول هذا التحالف – بدعم أميركي – ضد مؤسسات الأمم المتحدة، والتي وصفها بان كي مون الأمين العام بالمؤلمة والمخجلة.
هذان الموقفان يؤشران مدى خطورة السكوت عن الإرهاب وعن الدول والجهات التي تقف وراءه، فهو بات هاجسا وجوديا وأخلاقيا للعديد من المجتمعات، يضعها أمام وقائع رعب وخوف من الصعب السيطرة على تداعياتها، لا سيما وأن العمليات الإرهابية لم تعد محددة في أماكن معينة، فمن فرنسا الى بلجيكا الى بريطانيا الى اسبانيا والتهديدات تتضخم وتتسع الجماعات التي تقف وراءها.
طبيعة هذه الجريمة وخطورتها تكمن في التوصيف الثقافي لها، فهي تحمل معها رسالة عن مدى الكراهية التي يمثلها هذا الفكر المتطرف، والذي يحظى – سياسيا – في الغرب وأميركا بنوع من الاهتمام لتوظيفه في الصراعات الدولية والاقليمية، فرغم اتساع الرفض الشعبي والثقافي لمثل هذه السياسات، وتعالي الأصوات في العديد من المحافل بضرورة اتخاذ اجراءات رادعة ضد الدول الراعية للإرهاب، إلاّ أن السياسات العامة، لا سيما في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ما زالت ملتبسة ومثيرة للريبة، ولعل تصريحات الرئيس الاميركي اوباما بعدم الموافقة على قانون مكافحة الارهاب الذي أقرّه الكونغرس الأميركي بمقاضاة المسؤولين السعوديين المتورطين بأحداث سبتمبر 2001 تكشف عن وجود خفايا تتعلق بالسياسة الاميركية ضد الارهاب وجماعاته، كما أن السياسات الفرنسية المثيرة تكشف عن حسابات بالمصالح تتجاوز الحسابات بالأمن القومي.
توصيف هذه الجريمة الإرهابية وغيرها لم يعد غامضا، فالغطاء الطائفي والتكفيري هو العنوان الذي يدل عليها، ويضعها في سياق التعبير عن تقاطع مريب مع الثقافات والقيم الإنسانية، والذي يستدعي ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة لتجفيف منابع مثل هذه الجرائم، عبر الكشف عن أغطيتها، وفكّ طلاسم مرجعياتها والقوى التي تقف وراءها. وبعيدا عن حسابات (المال الأسود) الذي يتم توظيفه بطرق مشبوهة وقذرة، فإن تضخم الظاهرة الإرهابية في الغرب وأميركا يفصح وبشكل علني عن وجود بيئات حاضنة لـ (عقائد مسلحة) يمكنها أن تثير المزيد من الفزع في الأوساط المجتمعية، وأن تضع الدول أمام نوعٍ من العنف المضاد، والذي يعني نشوء (عقائد مسلحة) مضادة وأصولية، قد تعيد تلك المجتمعات الى مراحل صعبة من التاريخ، عندما كانت الفاشية والنازية والمكارثية مرجعيات لإنتاج الرعب السياسي والأمني والثقافي.
العنف المسلح بوجهه الإرهابي الأصولي ليس مرئياً في البيئات الغربية، فخلفه جهات ساندة وراعية وحاضنة، ودول تموّله بملايين الدولارات، وعبر مؤسسات وجمعيات بلبوس ديني طائفي، لكن هدفها الأساس فرض ثقافة التكفير والكراهية، وهو ما تكشّف بعد هذه الجريمة الارهابية، إذ أعلنت (داعش) بعد ساعات تبنيها للحادث، مثلما أنّ الارهابي الأفغاني معروف
لدى الجهات الأمنية، رغم أنه يعمل في إحدى مؤسساتها كما تواتر في الأخبار.
تبني داعش لهذه الجريمة التي راح ضحيتها أكثر من خمسين شخصا يعني أنّ الارهاب له بيئاته الواقعية داخل الولايات المتحدة، وأن الدول الداعمة للإرهاب تجد في السياسات الرخوة مجالا لتمرير انتحارييها وإرهابييها ونمط عقائدها المسلحة، وهو ما يثير حوله التباسات كثيرة ستترك أثرا خطيرا على المعطيات السياسية الأميركية، لا سيما وأنها حدثت قبيل أشهر محدودة من الانتخابات الرئاسية، والتي قد تطيح بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون لصالح المتشدد الجمهوري ترامب.

