نوزاد حسن
صدمتني اول كلمة في مذكرات رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد حين قال ان قصة ماليزيا هي قصة حياته. صدمت لأني تعلمت من التجربة أننا لا نفكر دائما بهذا الاسلوب الغريب الذي يجعل حياة الانسان تختلط بوجود الوطن فيكون الانسان والوطن شيئا واحد او كائنا لا يمكن فصل احدهما عن الآخر.
هي اذن حياة واحدة..وان كان الوطن جغرافيا واسعة والفرد شخصا محدود العمر لكن هذا الاندماج الرائع الشبيه بوحدة الوجود في الفكر الصوفي تحدث بين الكائن وبين وطنه. وكل ما عدا هذه العلاقة يعد كذبا سياسيا ولا شيء غير ذلك.
مهاتير محمد اراد ان يبرهن على وجود هذه الرابطة الروحية بالوطن. اراد ان يضرب مثلا بوحدة الوجود السياسية حين يصير الوطن طاقة يصدر منها كل شيء: الانهار, الجبال, الثروات, الناس باختلافهم..التاريخ ونكهة الفاكهة, ولغة الحب المشتركة التي تمجده كوطن لا بديل للناس عنه. اذن الوطن طاقة جئنا نحن من نورها, ولا بد ان نؤمن بمثل هذه الولادة وإلا فاننا سنعمل عكس الطاقة التي أوجدتنا.
احيانا نسمع من يقول ان لبرتقال ديالى نكهة غير موجودة في اي برتقال آخر. هذا اعتراف بأن الوطن طاقة وترابه ناقل امين لنكهة ستجعلنا اسرى لها.
حين لا يكون رجل الدولة موجودا في معادلة وحدة الوجود السياسية فانه سيعمل بمبدأ المنفعة، وسيغامر بمصائر اهله لسبب بسيط هو ان الوطن صار مكانا محدودا وفرصة لغنيمة مغرية وبعدها يتم استبداله برقعة اخرى.
واذا عمل السياسيون بروح المنفعة فهذا يعني انهم باعوا كل شيء ومن ضمن ما سيبيعونه: وجودهم.
ان هذه الصفقة الخاسرة التي يوقعها العشرات ممن يعملون في السياسة تؤكد ان العراق ليس وطنا يدخل معه اولئك السياسون بعلاقة روحية صافية. الوطن في عرف ساسة اليوم هو طفل قاصر يتيم يُسرق في كل ثانية. طفل ثري امواله مباحة لأن من يتولى تربيته لا يهمه إلا سرقته وغشه والتلاعب بمصيره مع بعض الاستثناءات التي تريد جعل حياة الطفل المسروق سعيدة. وهذه الاستثناءات سرعان ما تغيب عن المشهد لأنها لا تحتمل الجو الخانق في غرف السياسة المعتمة.
نعم، يعامل العراق بحجود كبير، وتعامل بغداد بجحود أكبر. انا اتساءل دائما: ماذا يعني ان تكون عراقيا؟، وكيف يمكن اثبات انك عراقي مئة بالمئة؟.
يمكن اثبات ذلك بالشعور انك جزء من كل شيء هنا. لنفسر الامر بصورة اوضح. بأي شيء يحس الانسان لو وقف لدقائق على شاطئ دجلة؟، وبماذا سيحس لو سار في الحيدرخانة, واكمل طريقه الى تمثال الرصافي الشامخ الناظر الى الامام كأبي الهول؟، وما هو الشعور الذي سيكبر في داخله لو وقف على جسر الشهداء والقى نظرة الى ماء دجلة؟.
اذا كان الانسان يمر بكل هذه الاماكن دون ان يشعر بشيء فهذا يعني كلمة واحدة: انه ميت يمشي.

