د. سعد العبيدي
أجرت بريطانيا في يوم الخميس الفائت استفتاء على مسألة بقائها عضوا في الاتحاد الأوروبي من عدمه، وقدم كل فريق من الفرقاء معطياته وحججه ليدعم وجهة نظره، وحشدوا لدعم توجهاتهم جهدا غير قليل، وظهرت النتيجة بفارق بسيط جدا لصالح الخروج. والنتيجة هذه في واقع الحال ليست هي المشكلة بالنسبة لنا نحن العرب والعراقيين على وجه الخصوص، لأنها لم تعنينا ولم تؤثر على حالنا كما لم تؤثر على تعاملنا مع بريطانيا التي كان لها الدور الكبير في تأسيس دولتنا العراقية.
لكن الذي يهم في عموم الموضوع هو الطريقة التي ادير بها ملف الاستفتاء اذ ان كاميرون رئيس الوزراء البريطاني ورئيس حزب المحافظين الحاكم قد التزم بوعد انتخابي كان قد أعلنه مسبقا وحصل بسببه على اصوات العديد من الناخبين وهذا الوعد هو اجراء الاستفتاء، وقد أجرى الاستفتاء على الرغم من أنه شخصياً بالضد من خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، خاصة بعد أن عرف السلبيات بشكل دقيق خلال تسنمه رئاسة الوزراء، وقد حاول الكثير في دعايته حرف الأصوات باتجاه البقاء، لكنه لم يتمكن، وعندما اعلنت النتائج وشعر أنه قد أخفق في التمكن من ذلك استقال من منصبه في الساعات الاولى لإعلان النتائج وهذا درس في الديمقراطية كان من خيرة الدروس.
لقد ظهرت النتيجة وكان الفارق بسيطاً، الأمر الذي يعني أن الصراع بين اتجاهين متناقضين كان شديدا ومع هذا فقد احتفل المنتصرون بنصرهم البسيط رقمياً أمام أعين الخاسرين واعترف الجميع بالواقع والنتيجة دون حصول توتر أو شد وهو درس آخر لا يقل أهمية عن الدرس الأول.
هكذا هي الديمقراطية الشعبية أو ديمقراطية الشعوب التي تحاول – أي الشعوب – أن تكون لها الحصة الأكبر في اتخاذ القرارات المصيرية وتحديد مستقبلها، وهو واقع لو قارناه مع مجتمعنا العربي والعراقي على وجه الخصوص فاننا سنجد أن النتائج لأبسط المواضيع لو جاءت بفارق يزيد عن الثمانين بالمئة فان جماعة العشرين سيحتجون ويستمرون في الاحتجاج وقد يلجؤون إلى إثارة الفوضى والعنف لفرض رأيهم اعتقاداً أنه الصحيح وانه المناسب، وهذا سلوك لا يمكن أن يبني دولة ولا يؤسس لديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد. وهو الدرس الأهم.
ان ما حصل في بريطانيا هو امر كبير رغم ان حصوله لم يكن هو الأول في سياقات التاريخ البريطاني والعالمي الا انه عكس واقعا على الشعوب العربية التعلم منه لارساء قواعد الديمقراطية التي هي السبيل الوحيد لانقاذها من هذا التخبط الذي تعيشه في زمن لم يبق غير الديمقراطية طريقا لادارة شؤون الانسان والجماعة، وبعسكه واذا لم يتعلموا الدروس ويستوعبوها فسيبقون في اتون الفوضى ويعيشون عشرات السنين المقبلة، واقفين في مؤخرة الركب لا يفقهون شيئا من الحياة التي يعيشونها في القرن الحادي والعشرين.

