Pdf copy 1

سلام مكي
الصراع السياسي مستمر في العراق، والسياسيون لهم طرق ومسالك لتسويق افكارهم وتوجيه الضربات السياسية لخصومهم. وقبل مدة، بلغ ذلك الصراع ذروته عبر التصويت على اقالة هيئة رئاسة البرلمان الحالية ثم رجوعها فيما بعد لغرض التصويت على اسماء وزراء جدد بدلا من السابقين. ربما اختلفت الاوراق، اذ ان الصراع اصبح عنيفا بطريقة غير مألوفة، ثم تم زج القضاء في هذا الصراع وجعله بنظر الشارع طرفا فيه، اذ احتكم المتخاصمون الى المحكمة الاتحادية.. كل يريد الحكم لصالحه. الطرف الاول هو رئيس البرلمان سليم الجبوري الذي طلب من القضاء الحكم بعدم شرعية الجلسة التي اقيل فيها، والطرف الآخر هم النواب المعتصمون الذين طلبوا من المحكمة عدم شرعية مجيء الجبوري بعد اقالته، وبالتالي عدم قانونية اي قرار اتخذ اثناء توليه الرئاسة مجددا. 
وجدت المحكمة الاتحادية نفسها في موقف محرج، اذ ان عليها بكل الاحوال ان تميل الى طرف تراه محقا دون الآخر، وبالتالي سيسوق الطرف الخاسر فرضية ان القضاء مسيس وانه يعمل بالضد من ارادة الشعب وهو ما قيل فعلا بعد اعلان نتيجة الحكم، لذلك قررت المحكمة اتخاذ مجموعة من التدابير والاجراءات التي يمكن من خلالها ان ترد على كل من يشكك بحياديتها، فقررت جعل جلسات المحكمة علنية، بل وتنقل بشكل مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اذ اننا رأينا الناطق الاعلامي للسلطة القضائية ينقل للجمهور وقائع المحكمة أولا بأول وينقل اي قرار تصدره المحكمة. الامر الثاني هو امر معهود في العمل القضائي للتوصل الى مقتضيات العدالة في اية دعوى او قضية يتطلب اللجوء فيها الى خبراء في المسألة المعروضة، فكان ان لجأت المحكمة الى خبراء في الاعلام لتطلب منهم الرأي حول مدى قانونية الجلستين، علما ان الطعن ينصب حول النصاب القانوني الذي يتمثل بحضور عدد محدد من النواب، فكل طرف يقول ان جلسة خصمه لم تحقق النصاب، فلجأت المحكمة – كون القاضي غير مختص بالأمور الفنية والاعلامية – الى خبراء لبيان مدى صحة ادعاء الطرفين، فالمدعون، وهم مجموعة من النواب المعتصمين، طلبوا من المحكمة الغاء جلسة 26/4/2016 لأنها عقدت في ظروف لوجستية غير اعتيادية وتحت التهديد!.
 المدعى عليه – وهو رئيس مجلس النواب – رد عبر وكيله بأن الجلسة المذكورة عقدت بنصاب كامل وبظروف اعتيادية. وأحد النواب الذي يؤيد موقف رئيس البرلمان طالب بأن تعتبر جلسة يوم 14/4/2016 غير دستورية التي اقيلت فيها هيئة الرئاسة. وكما قلنا فإن المحكمة رأت ان الحكم يحتاج الى الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص، الذين انتخبتهم المحكمة بعد ان وافق الاطراف على الاسماء التي تطرحها المحكمة للخبرة، ثم بينت المحكمة لهم ان مهمتهم دراسة وتحليل كل ما يتعلق بالجلستين لأن ذلك هو مفتاح حل المنازعة القضائية وهو احتساب عدد الحضور في كلا الجلستين وتقدير الظروف التي عقدت فيها الجلسة الثانية. وبعد ذلك توصلت المحكمة الى انها استكملت جميع الجوانب المتعلقة بإصدار حكمها ومنها تقرير الخبراء، فكان قرارها: الحكم بعدم دستورية جلسة يوم 14/4 لكون النصاب لم يكن مكتملا. اما جلسة يوم 26/4 فكانت مكتملة النصاب الا ان ظروف انعقادها لم تكن موافقة للقانون والنظام الداخلي. وهذان الحكمان، استندا بشكل اساس على ما قدمه الخبراء من تقارير بعد اطلاعهم على التسجيلات كاملة. وبهذا اسدل الستار على اكبر أزمة دستورية وقانونية مرت بها العملية السياسية، بطريقة عادلة لا تخلو من الذكاء والحكمة واللجوء الى قواعد القانون ومبادئه العامة، اضافة الى انها جعلت من الجلسات علنية، فلا يقول احد ان هناك اتفاقات او تفاهمات بين المحكمة وأحد الاطراف. ولكن الطرف الذي رأى نفسه خاسرا، لم يصمت بعض اعضائه، اذ صرح احدهم ان المحكمة صادرت ارادة الشعب، رغم ان هذا الطرف يملك نوابا اقل بكثير من الطرف الآخر كما لم نشهد تظاهرات ولا حملات تأييد لهذا الطرف ولا دعما شعبيا له، فأين هي الارادة الشعبية؟.
 لقد اثبتت المحكمة الاتحادية انها قادرة على دفع الحرج عنها، والحكم وفقا للقانون فقط، حتى في اهم الأمور حساسية وصعوبة. وهذا الموقف الذي يسجل لصالحها، يجب ان يكون سنة للمحكمة لكي تسير عليها في الدعاوى المماثلة اذ ان جعل الشارع على تماس مع اهم محكمة قضائية والسماح له بالاطلاع على مجريات المحكمة رغم اهميتها وحساسيتها هو دليل منها على احترامها للشعب واداركها ان المواطنين هم احد اسباب نجاح عمل المحكمة وكسب ثقتهم لا بد منه لديمومة عمل المحكمة وقطع الطرق على الذين يشككون بنزاهتها وحياديتها. الجمهور بالمقابل سيفهم ان القرار الذي اصدرته المحكمة يمكن ان يكون مختلفا بشكل كبير لو كان تقرير الخبراء مختلفا، فلو بيّن التقرير ان جلسة يوم 14/4 كانت مكتملة النصاب لكان الحكم لصالح المدعي لكن التقرير قال العكس.

التعليقات معطلة