كرم نعمة
إنه قوة إعلامية بلا شك بغض النظر عن طبيعة خطابه المزدري للآخر والقاذف للشتائم، حتى لو زعمت كبرى وسائل الإعلام بغير ذلك، فإنها لا يمكن أن تبقى متفرجة على اللعبة المشوقة والمتواصلة للمرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الأميركية دونالد ترامب.
وسائل الإعلام الكبرى تشارك ترامب لعبته بطريقة أو بأخرى، سواء برفض ونقد انتهاكاته للقيم الأميركية، أو بتقديمه كنوع من الحل للأمة الأميركية.
شهرة ترامب في مواقع التواصل الاجتماعي وتلفزيون الواقع وثروته الشخصية، تجعلانه بحد ذاته قوة إعلامية، لذلك لم يجد رفض موقع بازفيد الأميركي هذا الأسبوع عرض إعلانات من الدعاية الانتخابية له، بسبب أضرارها، التي شبّهها مدير الموقع بأضرار السجائر، لم يجد تأثيرا أكثر من تأثير تصريح الأمير الوليد بن طلال الذي اعتبر ترامب عاراً على الولايات المتحدة، مع أنه يمتلك نفس قوة ثروته! رفض الموقع الأميركي للإعلان المغري ماليا، جزء من اللعبة الإعلامية المشوقة، ليس بدلالة معنى الرفض، بقدر المآل الذي يفسر تداعيات هذا الرفض وما يترتب عليه من فوائد، فقد عمم جوناه بريتي مدير موقع بازفيد رسالة على الموظفين، أعلن فيها عن رفضه لصفقة إعلانية من المرشح دونالد ترامب تقدّر بمليون و300 ألف دولار أميركي، معللاً ذلك بالأضرار المترتبة على الصفقة.
وشبّه بريتي حملة ترامب الدعائية بإعلانات السجائر، قائلاً “لم نكن نريد إدارة ظهورنا للمال الذي نحتاجه، لكننا لا نبث إعلانات السجائر، نظرا لأضرارها على الصحة، ولن نقبل إعلانات ترامب للسبب نفسه بالضبط”. وعزا قراره إلى ما وصفه بالتأثير السلبي على عمل موظفي الموقع، إضافةً إلى رسالته السلبيّة والعدائية تجاه أعراق وديانات بعينها، على رأسها الإسلام.
وسائل الإعلام الأميركية تشعر بما يمكن تسميته “الامتنان الداخلي” غير المعلن لمثل هذا المرشح الثري حتى وإن وصفها بـ”إعلام غير شريف”، فمشاكسته وعنصريته سوق رائحة تستقطب الجمهور في نهاية الأمر، وحتى الحديث الذي يشبّه بإطلاق نار بين المتحاورين على الشاشات وخلف المايكروفونات الإذاعية الرافضة له، هو إعلام رائج ورابح وإن تنازل عن القيم والحساسية العالية.
فالسيد بريتي بوصفه إعلاميا محترفا، يدرك أن ترامب سيجارة ضارة، لكن تدخينها يجلب المنافع في نهاية الأمر، ومن بين هذه المنافع تداعيات رفض الإعلان الدعائي له على الموقع، باعتباره منفعة وسط الضجيج الانتخابي وإن تخلى عن مليون و300 ألف دولار! لن يحتاج المتابعون إلى الكثير من العناء لاكتشاف تورط وسائل إعلام أميركية كبرى بما تسميه “عار ترامب”، إنها ترفضه بوصفه رجل الشتائم الأول في أميركا، العنصري، الكاره لحقوق المرأة، لكنها في النهاية تسوق له في لعبة الباب الدوار التي تدر عليها المال والجمهور. دونالد ترامب يسعى إلى الوصول إلى البيت الأبيض من خلال استراتيجية يعتقد معظم الجمهوريين في نهاية المطاف أنها ستقضي عليهم، وستكون وسائل الإعلام حينها شريكا له، أو حسب تسمية هفين ويبر، وهو جمهوري مخضرم وعضو كونغرس متقاعد من ولاية مينيسوتا، “الرقصة الأخيرة على تيتانيك”.

