Pdf copy 1

            حوار / اشرف محمد قاسم 
 
مصطفى البلكي اسم ذو حضور كبير في المشهد السردي ، صدرت له عدة اعمال روائية و قصصية تتكئ على التاريخ غالبا ، نود في البداية التعرف إلى مصطفى البلكي من خلال هذه الأعمال التي كتبت اسم مصطفى البلكي كأحد أهم الكتاب الذين برعوا في المزج بين التخييلي و التاريخي ؟
•كانت آخر اعماله, رواية نفيسة البيضا, وكان لزاما علينا أن نسأله :لماذا نفيسة البيضا؟
ـ التاريخ له صفة التراكم, لا تستطيع مهما فعلت أن تتخلى عن جزء ولو صغير منه, لأنه ببساطة سوف ينهار كل شيء, فالحاضر الذي نعيشه هو دخان منفلت من ماض هو حريق, وربما يمتد الحريق ليطال المستقبل, وقصة نفيسة البيضا مثال حى, يحمل مأزق يتعرق له كل واحد, فكرة الاختيار بين أمرين يخضعان في نفس الوقت لسطوة العقل والقلب, والمطلوب منه الاختيار, بيحث غير مسموح له لاختيار الحل اللذي يقع في منطقة محايدة, منطقة البين بين, حيث لا لون ثابت, ولا رسوخ لشيء, وقتها فقط طبقا لرؤيته ومكان حط قدميه سيكون اختياره  وفق معطيات زمانه, وقتها تكون الوقفة ويكون السؤال: ثم ماذا بعد؟ سؤال ملغز, لكنه كاشف, وقادر على بناء لحظات سوف تتراكم, فيفتش عن مخرج, أو ثغرة في صور صلد, قد يتعلق بحفنة  من وجوه مرت بحياته, تقول له: العبرة هنا ولا أثر لشيء إلا هنا, وحدها اللحظة قد جمعت وضمت, وانتقت, وما سمحت لغير هذا الدرب  ليكون قطعة من كيان سوف يكون, ليكبر, وليصبح بناء هائلًا , يحجب كل ما جاوره, وقتها يبتسم الواحد ويقول: السعادة هنا, ونفيسة اختارت, وذابت طبقا لاختياراتها, متجاوزة في كل مرة محنة ما, فتكون منحازة لخيار العقل في بداية حياتها, متخليه عن القلب, الذي تسترده في وقت لاحق حينما تتغير الظروف.
•المتابع لإعمالك سيجد وضعية خاصة للمرأة , فكيف تراها, وهل انصفتها حينما تناولت نفيسة؟
-أقول دائما أنا ابن المرأة التي كانت تشترى حبي لها بجراب كبير ملأن بالحكايات, وحينما كنت اتبع خطواتها متعلقا بشقتها, ما كان ليغيب عن وعى من يرانا لقب:ابن الشقة, كلنا أبناء لنساء وأحفاد لجدات, وأزواج لنساء, كلهن يسرقن بالتبعية منا لحظاتنا ويمنحونا نوعا ما من السعادة, لذلك حينما يقال قدر الرجل امرأة, فهى حقيقة تصل لدرجة اليقين, وهي في وجودها وحركتها الدائمة تقاوم كل العوامل التى من شأنها أن تهدم البناء الذي تعاني من أجله, البناء الذي هو الآخر يسرق منها سنواتها, فهى عمود الخيمة التى تضم تحتها الأسرة بكل مكوناتها, ربما تلك الصورة قد ينالها الكثير من الرتوش التي تجعلها مستقرة في الزوايا, وتلك هي حالة عدم الانصاف, نفيسة رغم ما مررت به, لم تنصفها الأيام, ولم توجد لها السعادة الكاملة, فهى في كل مراحل حياتها كانت امرأة, تخضع لنفس النظرة, فهى في كنف رجل, لا يهم درجة قبولها أو قناعتها به, بقدر وجودها في مكانة تحفظ لها مكانتها, التي تخضع للظروف وحسب الريح تكون, فتنتقل من سيد لسيد, ثم تكون المعاناة الأكبر حينما يطالها الاهمال, المرض المدمر لكل كيان يري نفسه ويعرف كنزها.
• أفهم من هذا أن المرأة هنا كنموذج تصنع أسطورتها بنفسها, حتى تكون في صدارة المشهد, وحتى لا تكون عبئا ملقى في الزوايا, لذلك كانت نفيسة حاضرة وبقوة بإرادة حب الحياة, لكن حينما تغيب عنها تلك الإرادة, تصبح كيانا متخما بالوجع,وهذا ما حدث لها في نهاية حياتها.. فما هو تأثير حضور المرأة و غيابها في حياتك ؟
– أنا سأكون على نقيض ما قلت, وأقول إن الغياب هو رحلة من أجل تثبيت لوجود نرى فيه الحياة, ونصبح خارجة بلا هوية, فيحينما تكون السماء صافية, وفي وضح النهار, لا نرى النجوم لكننا نؤمن بوجودها, وهي قريبة, ربما لو أغمضنا أعيننا, وأنا دائما أعيش مع صوت جدتي, تكون معى, وهي صوت الحكمة الذي أوجدته داخل نفيسة, فهى من تضع العلامات حينما يختل الميزان, وتوشك العين على مفارقة دوحة راقت لها, ففي طفولتنا, قالوا لنا إن الحديث عن الحب يعد عيبا, وفى المساء , كنا نجد نساء العائلة قد أعدنا الحياة لأجسادهن, وساحة البيت قد تضمخت بشتى أنواع العطور, وإذا ما أغلقت أبواب الغرف, كنا بجوار الجدة , وأصوات خافتة تصلنا من هناك, كنا ننصت, وحينما سألنا ذات ليلة ارتفع فيها الهمس, ضحكت الجدة وقالت: ليس للرجل إلا المرأة سكن.ثم أضافت:جدرانه الحب والقرب, وحينما كبرنا كان الدرس قد رسخ: الحب شمعة حافظ على اشتعالها, وإن غابت فقل هى داخلي؟ 
•في عالم المرأة, هناك عالم سري, خفي, ومسكوت عنه, وحينما يقترب منه رجل, في كثير من الأوقات تحدث رحلته نوعا من الأكتشاف, ويكون سؤاله لنفسه: هل هذا موجود؟ حدثني عن رحلتك تلك مع نفيسة؟
-كل عالم له ثوابته, المعروفة لنا, وتلك هي التي تشكل مكونات الظاهر, أما حقيقة المرء فتكمن فيما يخبئه, وعالم النساء في العصر المملوكي, وهو عالم مغلق, ما وصلنا عنه كان بمثابة بل الريق, لا ترتوى منه كثيرا, لأن للحرملك قوانينه الخاصة, عالم مغلق كل ما بداخله واضح لمن وجد فيه, وسر لمن يمر في خياله, لا يرى إلا صور الجوارى في ألف ليلة وليلة, وما يتعلق بها من مشهيات من أجساد ريانة لنسوة يستسلمن للراحة تحت الظلال, وخلف المشربيات, وراقصات يستعرضن كنوزهن تحت سياط الانغام, لكن هذا العالم المغلق هو مثل أى وجود, أحزانه أكثر من أفراحه, فهو كشاطئ, يتغير ألف مرة في اليوم بفعل الموج, وأنا كنت داخل هذا العالم من خلال ذكريات ابن الشقة بكل ما شاف ورأى في زمن طفولته, حينما كان يتبع ظل جدته, وهذا الوجود قوي بما تركه المستشرقون من لوحات تنقل جزءا من الحياة التي كانت في الحرملك.
•هل ستكون هناك رحلة أخرى مع التاريخ بعد نفيسة؟
-التاريخ مادة حية, وهو كائن حى لا يموت, لذلك  سيظل دائما يثير كل عين توقن بأن العبرة هناك, عالم يمثل الواقع, يعاد تشكيله من خلال مساحة واسعة من التخييل, اللحظة التي يتم فيها كسر الحاجز بين العالمين, سيكون هناك عالم ثالث, يحمل تلك اللحظات, والرؤية التي ترغب في الظهور من خلال الرحلة المؤقنة للخلف.

التعليقات معطلة