الناقد : عبد الهادى الزعر
( على مرالعصور تتشابه القصور
وصور الجلادين والقوادين ونساء الفجور
جمعت فى الكيس كل كتب الحضارة
والتاريخ وكل الزعامات والنياشين
لأبيعها فى سوق القمامة
لكن ثمنها ياسيدي – – لم يكف
لسد رمق جائع مسكين )
فى نصوص ثامر الخفاجي يجد المتلقي مساحه واسعة من الرؤى تتزاحم فيها الدلالات وتصطرع الافكارتبتعد وتقترب وتتلون حيث انه لايتكلم من خلف قناع بل تجده شاخصا (بأناه ) وهذا يحيلنا الى (بشبندر ) الذي ركز على ان القناع لافا ئده منه هنا لأنه يفقد صورة التقمص فيجعل الشاعر مأسورا بالمقارنة بين الجلادين والقوادين و بين نياشينهم والقمامة حيث أنها سواء بنظره لكونه شاهد على عصره
( نحن امة تجيد فن الرثاء
وحرفتنا الاولى البكاء
بدء بأطلال خوله – – ولن تكون فلسطين اّخر اللقاء
فنحن كل يوم لنا عزاء
سنشبعك رثاء ا
ونبكيك بدل الدموع دما
لكننا لانعرف من أنت
شهيدا غريقا مسافرا )
من خصائص اللغة عندما تنعتق من عقالها تبيح لنفسها سمة التجاوز ؟ ينوء التوتر الدلالي بتراكيبها حاملا وزر المعنى وتمثلاته ! لدرجة التسخين فيبدو المشهد مفتوحا على
فضاء مترامي من الإحزان أبتداءا من أطلال خوله التي عفى عليها الزمن وأمست أثرا بعد عين حتى فلسطين الاسم على اللامسمى (*) وتلك خيباتنا المتتالية كان لاّباءنا نصيب وافر منها وجاء دورنا لنلتحق بجوقة البكائين والرثائين وكأننا أزاء قدر محتوم لايمكننا الفكاك منه ! ما نغتسل من أدران واحدة بالكاد حتى نقع بأخرى أشد منها فتكا –
( ياوطني أرجوك أن ترحل
اعرف أن لا أحد سيمنحك حق اللجوء
لكنى أخاف عليك :
كما قتلوا أبناءك – – أن تقتل )
ففى الحرب وزمن النكبات تندحر اّلهة الإبداع وتتقهقر وتسود ألبلاده ويعم الجفاف ويمسى الحب زيفا وترفا لامحل له (*) فكيف بنا ونحن فى وطن لم يذق للسلام والأمان طعما منذ خمسين عاما مضت فلو أخذنا عالم الموسيقى مثالا لوجدنا موسيقى ( الباروك )الهادئة المسترخية هي انعكاس للعصر الفكتورى وإما موسيقى بتهوفن الضاجه بالحركة فهى أسنجابه للانقلابات التي رافقت عصر نابليون ؟ و موسيقى الجاز الامريكيه هي تجسيد للتحولات الكبرى في القارة الجديدة ! أما موسيقانا فأنها جنائزيه دائما توحي بالحزن والكدر والهجر !!
ففي أغاني الحب الشائعة فى بلدنا المألوم يتعثر الشدو ؛ ويبح صوت المنشد فيصبح الوصال قطيعه ويزداد عدد الشامتين – – وهاهو الحلاج يقول عن صوت الناى حين وجده يصدح فى أحد شوارع بغداد ( انه صوت الشيطان يبكى زوال الاشياء )
أمهاتنا يرحمهن الله وهنّ يداعبّن مهودنا حتى ننام يشدوّن بألم مسجوع كل الانكسارات والخسارات – – وحين ننام يجففن دموعهنّ بأطراف شيلاتهن الكالحه !!
(الكل يبكى على ليلى
يعاتبها – – يعلل النفس بالآمال
وأصبح الكل يبكى على طلل !
وأنت ياوطني لم تعد حتى من الأطلال )
(لا أملك سوى سكين أعمى أقلم بها أظافري
خشية من أتهم بالعصيان
لكنك تتحدث كثيرا
عن الحب والوطن والإنسان
والحب لوحده جريمة نكراء :
ولخفاجي فراتي النشأة عاش في مدينة الهندية حيث الشعر مبثوثا في جنباتها أين ما أتجه مدينه أنجبت فحول الشعراء والفنانين والسياسيين وخطباء المنابر المفوهين فما برحت مدينته كالؤلؤه تشع ألقا بين مدن الفرات الأوسط ؟ وما زالت ذكرياته مع صديقه المغيب قسرا الشاعر عدنان سعيد حيه نابضة ؟؟ يردد بعض أشعاره التي خفضها على ظهر غيب وأن نسى منها شيئا !! فسيجدها في “الدرابين” والازقه التي لازالت متربة كالحة حيث لم تنل حظا من العناية من لدن الحكومات المحلية ولكنها موضع للذكريات –
أن كان حب الوطن ياسيدي تهمتي
فأنا سعيد أن أشنق كل يوم
صباح مساء )
أعدائنا فى عراق اليوم كثيرون يمسكون بأيديهم القذرة وسائل الشر والتحريض والاباده بينما يمسك الواعون والحالمون بغد مشرق ومحبي الحياة بيد مرتجفه الحب والسلام والأمان ؟ فشتان بين بريء ومجرم ونحن لازلنا نجيد الرقص على حافة الهاوية بانتظار الأسوأ ؟!

