عادل حمود
في كل حرب بين طرفين هنالك دائما منطقة يوضع فيها حائط الصد الاخير للوقوف بوجه هجوم طرف ما ضد الطرف الآخر وانهائه وعدم السماح له بتجاوز هذا الحائط باعتبار أن تجاوزه هو انتصار للطرف المهاجم وهزيمة للطرف المدافع.
وفي حرب العراق ضد الارهاب العالمي يعتبر الجهد الساعي الى انقاذ ارواح الجرحى عبر تقديم الخدمة العلاجية العاجلة المحترفة هو خط الصد الاخير لأنه يمثل الجهد الحكومي الاخير لتلافي تداعيات الهجوم الارهابي الغادر غير المعروف التوقيت والمكان.
وهذا الجهد لا يتوقف عند حالة العلاج والمداواة للمصابين، بل يتعداه ليقدم خدمة انسانية تواجه الفعل الارهابي اللاإنساني برد فعل فيه كل قيم الحضارة والتمدن عبر فحص جثامين الشهداء ومطابقتها كروموسوميا مع عوائلهم حتى يتسنى للاهل وللمؤسسات الحكومية الاخرى ان تحتفي بالشهيد وتكرمه بالتكريم اللائق، وان تسمح لعائلته بتسلم حقوق الشهيد المادية والمعنوية بعد التعرف على الجثمان.
وفي تفجير الكرادة الارهابي – كما في غيره من التفجيرات التي ادت الى تشظي الاجساد وتفحم الجثامين – كان حائط الصد الاخير متواجد بكل ثقل المؤسسة التي تمثله من قمة الهرم الوزاري الى عامل الخدمة مرورا بالاطباء والممرضين والمسعفين والاداريين والاعلاميين العاملين في وزارة الصحة، فترى الجميع يهرول في الصالات ويستعجل العلاجات ويصارع الزمن لانقاذ المصابين بإصابات خطرة ويعمل على مدار الساعة لفحص الشهداء في الطب العدلي، لكنهم في المقابل يتعرضون لهجمة يتشارك فيها اصحاب الاجندات السياسية المشبوهة وايتام البعث وطوابير الدواعش المتجمعين حول الميكروفونات والهائمين عند اضواء الكاميرات والمتمترسين وراء لوحات المفاتيح في الحواسيب.
والهدف من هذه الهجمة هو واحد لا يمكن تجزئته ويتمثل في عرقلة الحركة الدؤوبة للوزارة وايقاف الجهد الخارق لملاكاتها من اجل تحقيق هدف الارهابيين في الحصول على عدد اكبر من الشهداء والدفع باتجاه تصوير الدولة العراقية على انها دولة تتاجر بأرواح شهدائها ودماء جرحاهها حتى يستمر التحريض ضد هذه الدولة ونظامها الديمقراطي وسلطة صندوق الانتخاب فيها وارجاعها الى ما بعد الخط الفاصل الذي عبرته بعد 2003 نازعة عنها اغلال الدكتاتورية.
وما يؤسف له ويدمي القلب، ان اكثر المحاولين لهدم حائط الصد الطبي هم من العراقيين الذين لم يستحوا من انفسهم وهم يتهمون ابناء جلدتهم بأنهم قد تخلوا عن الغيرة العراقية التي يعرفها القاصي والداني، وانهم قد نزعوا عنهم ثوب العفة والشرف الذي لم يعد احد يلبسه في محيطنا الاقليمي غير العراقيين، فصاروا يكيلون الاتهامات ويروجون الاكاذيب وينسجون الاقاويل حول تقاضي الصحة العراقية أموالا مقابل تسليم جثامين الشهداء وتقديم الخدمات للجرحى متناسين ان هذه الوزارة وكوادرها قد نذرت نفسها للعراق واهله وجيشه وحشده الشعبي فتواجدت في كل سواح القتال، وزرعت المستشفيات الميدانية في كل تربة من ترب الجبهات، وأعادت الخدمات للمناطق المحررة، وقدمت الخدمات الطبية لمخيمات النازحين، وتواجدت في المستشفيات ودوائر الطبي العدلي يوميا بلا استراحة او تمتع باجازة.
ولكلمة الحق التي تشجع هذه الوزارة على الصمود والاستمرار، ضرورتها في هذا الظرف العصيب لذلك توجب تسليط الضوء على العمل المقدس الذي تمارسه الكوادر الصحية والدوائر الطبية لأن هذا العمل هو جزء مهم وكبير من المعركة ضد الارهاب وعامل اساسي في تحقيق الانتصارات على الدواعش وديمومة الحياة العراقية التي تعصف بها رياح المفخخات وتهجم على سواحلها موجات الارهاب الهوجاء.

