علي حسن الفواز
مثلما أنَّ للكراهية بُعدها النفسي، فإنَّ لها أبعادا سياسية وأمنية، وهذه الأبعاد تنطوي على ممارسات فيها الكثير من التدمير والحقد، وهذا هو حال «داعش» بنزعته التكفيرية، إذ يتلّبس هذا التكفير أقنعةً الكراهية الفكرية والسلوكية والفقهية، فيتحول الى ممارسة لا حدود لها في العنف والإجرام.
ما حدث في الكرادة وعند مقام السيد محمد في قضاء بلد يمكن وضعه في سياق مُركّب الكراهية، فبقطع النظر عن مرجعيات الصراع وعن الموقف من العملية السياسية ومن المشاركة فيها، فإن ما جرى ينطلق من حقد مريع، ومن نزوعٍ تدميري لا شأن له برؤية سياسية، أو حتى بخلاف عقائدي، بقدر علاقته بالكراهية الطائفية، وبالوعي المريض الذي يضخم هذه الكراهية.
تَبنّي تفجير الكرادة من قبل «داعش» بعد حدوثه كسياق إعلامي يعكس مسؤوليته عن الجريمة أولا، وطبيعة المواد التدميرية في هذا التفجير تعكس الرغبة في إحداث الكثير من الضرر بين الناس ثانيا، والترويج الإعلامي للجريمة من قبل وسائل إعلام عربية مثل قناة الجزيرة يعكس حجم التنسيق معها في تعويم الجريمة ثالثا، وفي توصيفها كممارسة ذات بُعد أمني رابعا، رغم أن الكرادة معروفةٌ بكونها من الأمكنة التجارية، وخالية من وجود أية مؤسسة أمنية.
كما أن الحال في منطقة السيد محمد بن الإمام علي الهادي يعكس رسالة طائفية مقيتة، ويؤكد سعي الإرهاب الداعشي للعودة الى مربع (الصراع الطائفي) بعد أحداث تفجير قبتيّ الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006، لا سيما بعد هزيمة الإرهابيين في الفلوجة وغيرها من المُدن المستباحة، إذ عمدوا عبر هذه الممارسات الى بثّ روح الكراهية، والى توسيع دائرة قتل الناس الأبرياء، وتحت يافطات طائفية مقيتة.
الكراهية والسياسة
قيل قديما لا توجد في السياسة عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، بل توجد مصالح دائمة، فلا شأن لهذه السياسة بالحب أو الكراهية، لكن ما يمارسه الارهابيون وتحت يافطات سياسية عربية واقليمية يؤكد تلازما (عُصابيا) بين العقل الطائفي العربي وبين الحسابات السياسية، إذ تتحول هذه السياسة الى ممارسة مفضوحة ونزقة في التعبير عن مواقفها الطائفية، وعن طبيعة كراهيتها، وحتى بعيدة عن أيِّ سلوك تفرضه الدبلوماسية، أو المصالح والعلاقات الدولية وحُسن الجيرة وحقوق الإنسان وغيرها، فما يجري يُخضِع الفعل السياسي الى عُقد مرضية، والى غلواء تتفجر فيها ممارسات تدميرية مشفوعة بنوع من الشحن الطائفي، والذي نجد حديثه في خُطب (أئمة) بعض المساجد، وفي الفضائيات العربية، وحتى عبر تصريحات لسياسيين عرب لا شأن لهم سوى حديث التغويل الطائفي.إنّ هذا الربط صار واقعا بين السياسة والطائفية، حتى تحوّل الى عنوان كبير يُحدد ملامح الصراع السياسي في المنطقة، ويُعتّم على مشكلات حقيقية تعاني منها شعوب تلك الدول العربية التي تعاني من قهر اجتماعي وحقوقي في الحريات وفي المعيش، مثلما صار وسيلةً لصناعة عدوٍ افتراضي، بعيدا عن حقائق الصراع التاريخية في الواقع العربي والاسلامي، وطبعا تقف وراء هذه الصناعة قوى دولية واقليمية وعربية، وبما يُسهم في تغيير هوية الصراع، وتجريده من طابعه السياسي الى طابع طائفي غامر بالكراهية، وذي انعكاسات حقيقية على حيوات الناس وخياراتهم وحقوقهم في المعيش داخل بيئات سياسية محكومة بقيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي والتنوع والتعدد والمواطنة.
الإرهاب والطائفية
لم يعد الإرهاب محصورا في منطقةٍ ما، بل صار العالم ميدانه المفتوح، وصورته البشعة التي يُهدد بها أمن المجتمعات في اوروبا وأميركا وفي أية جغرافيا أخرى، وهو ما حدث في باريس وبروكسل واميركا وتركيا يؤكد هذه الحقيقة، لكن خطورة هذا الإرهاب تتجلى عبر توصيفه كسلوك طائفي يُكفّر الأديان والجماعات، ويدّعي التوهم بـ (النقاوة) وشرعنة العنف والكراهية كوسائل لصيانة هذه النقاوة الافتراضية.طائفية الإرهاب الداعشي تعبير عن أزمة عقل ثقافي، مثلما هي تعبير عن أزمة وعي سياسي، فالدول الداعمة للإرهاب هي دول استبدادية وفاشلة بالمعنى الأخلاقي، وأنّ التقنّع بالوهم الطائفي هو محاولة للهروب الى الأمام من مشكلات حقيقية تعيشها، ومن صراعات دامية تتورط فيها، وتُخضعها لحساباتها السياسية، فما يحدث في اليمن وسوريا وفي العراق لا يمكن تفسيره إلّا بأنه (إرهاب دول) وأنَّ هذه الدول تمارس ارهابها وكراهيتها تحت حماية مصالح دول كبرى، كما أنَّ إصرارها على هذه الممارسات يؤكد على خطورة الصراعات الدولية، وكيف يتم توظيفها للتأثير على دول أخرى تعارض السياسات الأميركية والسعودية في المنطقة، وبما يضع الخلاف السياسي الحقيقي خارج المعادلة وإخضاعه لتصورات وحسابات مفبركة، يكون العامل الطائفي واحدا من علاماته التي يتم توظيفها بخبثٍ ومكرٍ وشناعة، وهو ما يحدث اليوم في الإرهاب التكفيري الذي يقتل الأبرياء في العراق، حيث تحوّل الى نوع من الحرب المفتوحة، وباتت دول الارهاب تتحدث علانية عن نزعاتها التدميرية والتخربية في هذه الحرب، ودون أن تجد من المجتمع الدولي أي رادع، وهو ما يعني التحفيز على صناعة القوة المضادة التي يمكن أن تختارها الشعوب للدفاع عن نفسها، وعن خياراتها، والتي ستكون عاملا حقيقيا في تعرية دول الارهاب وسياساتها الطائفية، وفي التعجيل بسقوطها وكشف عوراتها الاخلاقية والفكرية أمام شعوبها.

