Pdf copy 1

هاني المصري
أخيرًا، شهدنا خبرًا مفرحًا تمثّل بالاتفاق على إجراء انتخابات محلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. 
فقد فاجأت «حماس» معظم التوقّعات، ووافقت على إجراء الانتخابات بعدما أخذت ضمانات من لجنة الانتخابات مفادها أن الأخيرة ستقوم بعمل ما يلزم لضمان حسن سيرها من دون تمييز. وهذا يعني أن وزارة التربية والتعليم العالي ستوفر مراكز وطواقم الاقتراع، بينما ستؤمّن وزارة الداخلية العملية الانتخابية من الناحية الأمنية، وستنظر المحاكم المختصة في القضايا التي ستطرح عليها وتبتّ بها، وستؤمَّن مقتضيات الالتزام بالأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم، من دون تحميل الأمر أي دلالات أو إشارات سياسية.
وقد أخذت لجنة الانتخابات على عاتقها هذا الأمر، وأعفت الحكومة من عبء الموافقة مباشرة عليها، على أن تقوم الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة «حماس» بتوفير الأمن للعملية الانتخابية، وأن تعتمد الأحكام الصادرة عن المحاكم التي تعمل في قطاع غزة، وهذا ينطوي عن نوع من الاعتراف بالانقسام من خلال التعامل مع سلطة الأمر الواقع التي تحكم غزة. 
ومثل هذا الإجراء حدث عند التعامل مع الحجّ وامتحان التوجيهي وقضايا حياتية واقتصادية متعدّدة، ومن دونه لا يمكن إجراء انتخابات محلية إلا إذا أجريت ضمن اتفاق شامل على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، بما يشمل بلورة رؤية، والاتفاق على استراتيجية سياسية ونضالية قادرة على مواجهة التحديات التي تهدد القضية الفلسطينية، وإعادة بناء مؤسسات «منظمة التحرير» لتضمّ مختلف ألوان الطيف السياسي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وتوحيد المؤسسات والأجهزة الأمنية والقضائية…
لقد تغاضت «حماس» عن قيام حكومة السلطة الفلسطينية برئاسة الحمد الله بتحديد موعد الانتخابات من دون التشاور معها، وعن إجراء الانتخابات ضمن القانون القديم. كما تغاضت حكومة الحمد الله والرئيس الفلسطيني محمود عباس وحركة «فتح» عن اتفاق لجنة الانتخابات مع «حماس» على قيام المؤسسات التي تسيطر عليها بتوفير متطلّبات العملية الانتخابية، الإدارية والقانونية والأمنية. وهذه صفقة متوازنة، وحصيلتها إيجابية، لأنها تتيح للشعب أن يعبّر عن إرادته بانتخاب هيئاته المحلية. وهذه نعمة ولكنها قد تتحوّل إلى نقمة إذا ما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة. كيف ذلك؟
أعطى الرئيس عباس و «فتح» الضوء الأخضر للحكومة لإجراء الانتخابات المحلية على أساس تقدير غالب بأن «حماس» لن تسمح بإجرائها في قطاع غزة، ولن تشارك فيها، أو أنها ستشارك بصورة غير رسمية في الضفة.
أما الآن، فبعد قرار «حماس» «المفاجئ» بالمشاركة، ستعيد «فتح» حساباتها، لا سيما أنّها تعاني من خلافات في صفوفها، أبرزها فصل محمد دحلان وما تشكّله جماعته من تحدٍ لقوائم «فتح»، تحديدًا في غزة، فضلاً عن الخلافات مع شخصيات مقرّبة منها في مناطق عدة، خصوصًا في المدن الكبرى، وفي نابلس على وجه التحديد، حيث يشكل غسان الشكعة وما يمثّله تحديًا لا يمكن التغلّب عليه بسهولة، في ظل وجود منافس قوي يتمثل بقائمة «حماس» التي تستطيع أن تنافس، وربما أن تفوز. ما سبق قد يدفع «فتح» إلى رصّ صفوفها، ومحاولة عمل قوائم انتخابية تضم أكبر عدد ممكن من فصائل «منظمة التحرير»، ومن شخصيات ومؤسسات المجتمع المدني والعائلات والعشائر، والمضي في إجراء الانتخابات مهما كانت النتائج. 
وهذا سيزيد من فرص «فتح» بالفوز، وقد يؤدي إلى إعادة النظر في إجراء الانتخابات، أو عقدها في بلديات وتأجيلها في أخرى مثلما حصل مع انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات، إذ عقدت في الأماكن التي تعتقد «فتح» أنها قادرة على الفوز فيها. وهذا الأمر نفسه قد تلجأ إليه «حماس» أيضًا، فقد تعطّل إجراء الانتخابات في البلديات التي تخشى خسارتها. إذ منذ استيلائها على السلطة في غزة لم تسمح بإجراء الانتخابات المحلية ولا غيرها، بما فيها انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات، وفي الضفة تخوض الانتخابات في المواقع والجامعات التي تعتقد أنها تمتلك فرصة الفوز بها، بينما تقاطعها في المواقع الأخرى.
برغم ما سبق، نأمل أن تكون الانتخابات المحلية أول الغيث، وأن تساعد على توفير أجواء أفضل للحوار الوطني الرامي إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، لأنها تأتي بعد تفاقم المأزق الوطني العام الذي يتهدد القضية والشعب والأرض، وتفاقم المأزق الخاص الذي تمرّ به «فتح» و «حماس».
فـ «حماس» في وضع لا تُحسَد عليه في ظل التنافس على خليفة مشعل، وفي ضوء عدم وضوح الرؤية وتعطّل خيار المقاومة، وتعرضها إلى تجاذبات ما بين أجنحة مختلفة تحت عناوين الداخل والخارج، السياسي والعسكري، الوطني و “الإخواني”.
أما «فتح» فهي الأخرى في وضع سيئ، إذ لم تعقد مؤتمرها السابع جرّاء الخلاف على عضويته ونتائجه، إضافة إلى التنافس على خلافة الرئيس في ظل ضعف الصراع على الرؤى والبرامج والخيارات وتفاقمه على المصالح والمكاسب والنفوذ. ولم تنجح محاولة الرئيس لعقد مجلس وطني بمن حضر لوقف التآكل في شرعية المؤسسات وهندستها بما يلائمه.
كما أن الجهود السياسية والديبلوماسية لاستئناف المفاوضات، أو لتحسين الوضع الراهن، أو حتى الإبقاء عليه، قد باءت بالفشل، فالأحوال العامة في تدهور مستمرّ، مع تواصل الضغوط العربية لإجراء مصالحة فتحاوية – فتحاوية، وازدياد دعوات تعديل مبادرة السلام العربية، والتحالف مع إسرائيل في مواجهة «الإرهاب السني» و «الخطر الإيراني الشيعي». يُضاف إلى ما سبق إخفاق الديبلوماسية الفلسطينية كما ظهر في عدم الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لطرح مشروع القرار الفلسطيني العربي على مجلس الأمن العام 2014، ومكافأة إسرائيل بفوزها برئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، وأخيرًا في صدور تقرير اللجنة الرباعية المنحاز لأول مرة للجلاد الإسرائيلي على حساب الضحية الفلسطينية.
تبقى كلمة لا بدّ منها، وهي أن على قوى اليسار وكل ما يمكن أن يطلق عليه «التيار الثالث» الواسع الذي يشمل المتضررين من استمرار الوضع الراهن، أن تتعامل مع محطة الانتخابات المحلية كفرصة لبلورة ملامح هذا التيار وتنظيم صفوفه، بما يفتح الطريق أمام الانتخابات لتكون بداية عملية تنتهي بطي صفحة الانقسام السوداء، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية والمشروع الوطني، وتجديد الشرعية الوطنية والانتخابية للمؤسسات الفلسطينية.

التعليقات معطلة