Pdf copy 1

سلام مكي
طرح السيد رئيس الوزراء مؤخراً مشروعاً سياسياً يمثل ذروة التغيير في النمط العام لشكل الحكومة والعملية السياسية بشكل عام، وهو التعديل الوزاري الذي تم اجتياز المرحلة الأولى منه عبر تقديم عدد من الوزراء استقالاتهم وقبولها من قبل رئيس الوزراء وهي مسألة تمثل صخرة كبيرة ترمى وسط بركة راكدة منذ سنين، او اطلاق مياه جديدة الى تلك البركة، لكن تلك المياه تحتاج الى من يشق طريقا لها وسط تربة قوية، متماسكة، لا تعطي نفسها بسهولة. 
ما حدث من تمهيد لمشروع التعديل الوزاري، اثار استغراب المتابعين للمشهد السياسي، اذ ان الوزراء كلهم من تحالف سياسي واحد، وان هذ التحالف لم يبد اي اعتراض على قبول العبادي استقالة وزرائه، وقد صور البعض هذا الامر بأنه اتفاق مسبق مع الكتل التي تشكل هذا التحالف، بمعنى انه اخذ موافقتها على قبول الاستقالة، والا فالعبادي لا يمكنه وفق تلك التصورات ان يقبل استقالة وزير لديه. 
قناة فضائية حاولت تسليط الضوء على جانب محدد من التغيير وهو: لماذا كل الوزراء الذين قبل استقالتهم من «التحالف الوطني»؟ لماذا لا يوجد وزراء من تحالف القوى والتحالف الكردستاني؟ لماذا صمتت الجماهير على تغيير وزرائها فقط دون وزراء الجماهير الأخرى؟ فحاولت هذه الفضائية ان تفتح ثقبا داخل المشروع لكي ينفذ منه ضوء الطائفية الى الشارع، فينشغل به الناس بعيدا عن المقصد الحقيقي له. الجانب الآخر من مشروع التعديل الوزاري هو ان الهدف منه هو التخلص من نظام المحاصصة الطائفية التي اعتاشت على جسد العملية السياسية منذ ولادتها ولغاية اليوم. بمعنى ان هذه الفكرة لا بد من ان تتبع بخطوة مهمة وهي الركون الى اساليب وطرق جديدة لاختيار الوزراء بعيدا عن الطريقة الحالية والمتمثلة برمي الكرة بملعب الكتل السياسية التي تختار هي اعضاء الحكومة حسب اصواتها ونقاطها التي حصلت عليها من صناديق الاقتراع، فإذا طلب رئيس الوزراء من الكتل السياسية ان ترشح اسماء جديدة لشغل الوزرات الشاغرة، فهذا يعني عدم الجدية في ضرب المحاصصة ويعني عدم الجدوى من السير بالمشروع اصلا، اذ ان الغاية منه هو عدم تمكين الكتل السياسية من الهيمنة على الوزارات والاعتماد على الكفاءات والتكنوقراط في اختيار الوزراء بعيدا عن الانتماءات الحزبية والطائفية، ذلك ان الوزراء القادمين عن طريق الكتل السياسية تمت تجربتهم وعرف الشعب امكاناتهم وتوجههم في ادارة الدولة وهو توجه واحد لا يختلف رغم اختلاف الكتل فيما بينها واختلاف انتماءاتها وخلفياتها المذهبية والقومية والثقافية. هناك من يقول ان نظام المحاصصة ليس سيئا بذاته وانما السيئ فيه هو ان الكتل السياسية تعمد الى ترشيح اسماء لا علاقة لها بالوزارات، وبعيدة عن اختصاصها وامكانياتها، فترشح طبيبا لوزارة الزراعة مثلا، او مهندسا لوزارة العدل! اضافة الى عدم امتلاك الخبرة في العمل كون ان هذا المنصب الحساس يحتاج الى دراية وخبرة يستلزم معها التدرج الوظيفي والعمل في المؤسسة ذاتها لسنين طويلة، لا ان نأتي بشخصية كل مؤهلاتها انها تنتمي الى حزب معين، قرر هذا الحزب ترشيحها الى وزارة اصبحت من حصته بموجب تقسيم الوزارات. 
اذا كان رئيس الوزراء جادا في التعديل الوزاري فإن عليه ان يتجاوز الكتل السياسية حتى لو انه يدرك ان تجاوزه لها سيكلفه فشل المشروع برمته اذ ان تلك الكتل بيدها فقط احياء المشروع او وأده عبر مجلس النواب. 
اما عن الكتل السياسية فثمة اصوات من داخلها تطالب بالتغيير واصلاح العملية السياسية، فهذه عليها ان تنزع ثوب الانتماء الضيق وتلبس ثوب الانتماء الواسع وهو الوطنية، عليها ان تتخلى عن مكاسب الانتخابات لصالح مكاسب الوطن، من خلال ارسال رسائل تطمين الى رئيس الوزراء بأن عليه ان يمضي بمشروعه بالطرق التي يراها مناسبة بعيدا عن الكتل السياسية ليقدم اسماءً كفوءة، تقنع النواب لا اسماء وهمية هي تكنوقراط بالشكل فحسب. 
اما اذا اصرت الكتل السياسية على ان الوزارات هي حقها ولن تتنازل عن ذلك الحق، ومضى العبادي بالمشروع، وتم ترشيح اسماء جديدة، فلا اتصور انهم سيختلفون عن السابقين كثيرا. وبقي السؤال المحوري: هل سيتجاوز التعديل الوزاري دور الكتل السياسية في تشكيل الحكومة الجديدة؟

التعليقات معطلة