حازم مبيضين
بعد مؤتمري الجمهوريين والديمقراطيين انحصر السباق نحو البيت الأبيض بين الديمقراطية كلنتون والجمهوري ترامب، ولأن أياً منهما يفتقر للتأييد الشعبي، فإن المعركة بينهما ستكون فظيعة وبشعة، اعتماداً على ما قيل في مناظراتهما خلال مرحلة الانتخابات التمهيدية، ومن المتوقع أن نسمع الكثير عن الحياة الشخصية، ولن يتردد ترامب باستفزاز منافسته من خلال الحديث عن علاقة زوجها بالمتدربة في البيت الأبيض إبان رئاسته مونيكا لوينسكي، إضافة لمزاعم نساء عن تحرشات بيل كلينتون بهن دون موافقتهن، وبالنسبة للمرشح الجمهوري، فإن لديه مؤيدين ثابتين في ولائهم، ولم يتأثروا بما يُقال عنه، أو بوجود جمهوريين معتدلين يرفضونه بسبب مواقفه من المهاجرين، غير أن مؤيديه يرون أن الواجب الأساسي على عاتق كل حكومة هو ضبط الحدود، لأن للهجرة غير القانونية تأثيراً سلبياً على الاقتصاد، كما أنه بات واضحاً أن الكثيرين يعتبرون أنه يتحدث بلسانهم، حول قضايا الإرهاب والسياسة الخارجية، حيث يُعبر عن مخاوف وتوجسات الكثير من الأميركيين. يحلو لبعض العرب اللجوء لنظرية المؤامرة فيستذكرون تصريحا لابن لادن عشية الانتخابات طالب فيه الاميركيين بعدم انتخاب بوش ما رفع أسهم هذا ليصل البيت الأبيض، ويرى هؤلاء أن العمليات الانتحارية التي طالت القارة الأوروبية، وبعض العمليات الفوضوية في أميركا نفسها ستكون دافعاً قوياً لاختيار المتشدد ترامب، وهنا لن تكون المعركة الانتخابية بين ليبراليين ومحافظين، بل هي ترامب في مواجهة هيلاري، أي مرشح من خارج مؤسسة الحكم التقليدية، في مواجهة مرشح ينتمي إلى هذه المؤسسة، حيث تخوض كلينتون الانتخابات بوصفها ممثلة لمؤسسة الحكم التقليدية، لكن ذلك لا يمنحها أفضلية، ولكن هذا لا يعني أن الأفضلية لترامب، فشعبيته التي شهدت هبوطاً في بعض المراحل قابلة للنهوض مجدداً مع أية عملية انتحارية تهز طمأنينة المجتمع الغربي بشكل عام، أو الأميركي على وجه الخصوص. وبعيداً عن أجواء نظرية المؤامرة فإنه وعشية الانتخابات يبدو الصف الديمقراطي متماسكاً، عكس الجمهوريين الذين يهاجم رموزهم ترامب، باعتبار أنه سيخون الناخبين، حال فوزه بالرئاسة، ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه شعبية ترامب تراجعاً، يحد من قدرته على توحيد الحزب الجمهوري، وهو يبحث عن نائب مقرّب من المحافظين، لمغازلة القاعدة المتدينة.
وتبدو الانتخابات المقبلة ضخمة بشكل غير مسبوق، فقد كانت كلينتون وترامب من الشخصيات الشهيرة المثيرة للجدل٬ ولم يخلُ سجلهما من الفضائح، التي استدعت نظرة سلبية من قبل الملايين من الناخبين٬ وفي حال انتخاب كلينتون ستكون أول امرأة تتولى المنصب الرئاسي، أما إذا فاز ترامب، فسيكون أول رئيس يتولي المنصب دون أن يشغل دوراً سياسياً أو وزارياً أو رتبة عسكرية عليا مسبقاً، ولم يكن عضواً مواظباً في الحزب الجمهوري، حتى أنه ساند مترشحين ديمقراطيين مالياً في انتخابات سابقة، ومع أنه يُعتبر شخصية فظة، إلا أن هناك بعض الشخصيات السياسية الأكثر شهرة تنافسه في الخطاب المتطرف.
وإذ يؤكد عدد من الجمهوريين عدم تصويتهم لترامب٬ فإن بعض أتباع ساندرز يؤكدون اليوم أنهم لن يعطوا صوتهم لكلينتون، لكن ذلك غير ثابت، إذ بوسع المرشحين تقديم برنامج متباين عن الآخر، يتضمن وجهات نظر مختلفة لمستقبل أميركا. من المرجح بالنسبة لترامب، أن يكون اختياره لأصدقاء وأعداء أميركا فقط على أساس المصالح الوطنية، أما كلينتون فمن المفترض أنها ستواصل سياسة أوباما الخارجية، وترامب سيكون صريحاً حول العلاقة بين الإرهاب والمتشددين٬ في حين من المرجح أن تحاكي كلينتون سياسة أوباما، بعدم الإشارة إلى الإسلام على الإطلاق في هذا السياق، وإذا كان الناخبون راضين عن السياسات الخارجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لإدارة أوباما٬ فان كلينتون ستضمن الإبقاء على هذه السياسات لأربع سنوات أخرى على الأقل٬ أما إذا كان الناخب يشعر أن أوباما كان على خطأ، فربما يمثل ترامب تحولاً في الاتجاه المعاكس، وفي كل الأحوال، وكما هو الحال مع معظم الانتخابات٬ فإن الانتخابات المقبلة توفر خياراً سياسياً صارخ التباين٬ بصرف النظر عن التشككات، وعدم القبول لكلا المرشحين.
وهكذا نجد لزاماً التعاطي مع أميركا مختلفة، فيها أكثرية تعارض أية حروب جديدة، ويؤكد هؤلاء أنه إذا لم تحصل مفاجأة، فإن كلينتون ستكون الرئيس المقبل، ويهمنا هنا أنها تعرف الشرق الأوسط جيداً، وتدرك أن عليها التعامل معه بخصوصية، تمنع إرهاب «داعش» من الوصول إلى المدن الأميركية.
أما بالنسبة لترامب فإن كثيراً ممن يرون أنه أعلن آراء معاكسة للسياسة الخارجية الأميركية السائدة منذ عقود، يتجاهلون أنه لم يكن وحيداً في طروحاته المثيرة للجدل، غير أن علينا ملاحظة أن أفكار ترامب ليست صكاّ مصدقاً قابلاً للصرف عند إبرازه، فهناك مؤسسات تشريعية وقيود دستورية وقانونية، ربما تجعل من الكثير من هذه الأفكار مجرد حبر على ورق، وبغض النظر عن سيد «أو سيدة» البيت الأبيض القادم، فإننا سنشهد استمرار النهج المتوازن بين فكرتي الانعزال والقيادة، وبما يضمن استمرار السيطرة الأميركية على مفاصل النظام العالمي بأقل قدر من التكلفة الاقتصادية والأعباء العسكرية والستراتيجية، وهي أمور يجب أن نتعامل معها كعرب بواقعية، بدلاً من انتظار التغيرات المتوالية في البيت الأبيض.

