باسل محمد
موجة من الخلافات سادت العلاقات بين تركيا وروسيا في الفترة الأخيرة سببها الرئيسي والمباشر هو الملف السوري بكل عناصره وتداعياته وبلغت هذه الخلافات ذروتها بعدما اسقطت أنقرة مقاتلة روسية على الحدود التركية السورية في شهر تشرين الثاني الماضي.. وقبل أيام حصل تقارب بين الدولتين في ضوء زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لسان بطرسبورغ ولقائه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
الاستلهام المهم في هذا التقارب التركي الروسي.. هو أن تحذو دول في المنطقة لديها خلافات مع بعضها حذو أنقرة وموسكو من أجل تحقيق التقارب السياسي.
التقارب التركي الروسي، يجب أن يكون قدوة لكل دول المنطقة وهذا هو الأساس، بمعنى يجب أن يرسل برسالة جميلة الى الخلافات بين ايران وبين العالم العربي لا سيما بين ايران ودول الخليج العربي، وبين مصر وتركيا، وبين العراق وبعض دول الخليج.
كما هو حال التقارب الروسي التركي الذي تغلبت فيه الستراتيجيا والاقتصاد على السياسة، فانه من الضروري على ايران والعالم العربي أن يقوما بالبدء فعلياً برؤية علاقاتهما على أساس ستراتيجي واقتصادي ليجعلا السياسة تخضع لهذا الأساس أو لهذين العاملين.
لنتحدث بصراحة، كم تخسر اقتصاديات دول المنطقة بسبب الخلافات والحروب والأزمات من دماء وموارد وفرص لحياة افضل لشعوبها وكم تخسر دول المنطقة من قوتها وكراماتها ومواقفها في السياسة الخارجية مع بقاء واستمرار هذه الخلافات.
الشيء المثير للاعجاب، ان تركيا لم تقم بالاستقواء بعلاقاتها وعضويتها في حلف الناتو على روسيا، وروسيا لم تقم بالاستقواء على تركيا بنفطها وغازها وسياحها المتدفقين الى المدن التركية باعتبار ان روسيا تصدر سياحاً ربما الأكبر بين دول العالم الى تركيا، وكلاهما اختارا التقارب وتوثيق الصلات وحل الخلافات.
بنظرة منهجية، نرى ان مستقبل المنطقة يحتاج الى تقارب بين دوله بمثل واقعية وذكاء التقارب التركي الروسي، كما أن مستقبل شعوب المنطقة في العالم العربي والخليج وايران يتوقف على مدى استيعاب أنظمتها السياسية للأهمية القصوى لوجود تقارب بدلاً من الفتور والتباعد والصراع.
بعد اقتراب العراق من التخلص من مشكلة الارهاب بتحرير كل المدن الواقعة تحت سيطرة تنظيم «داعش»، فانه يجب أن تكون من أولويات وزارة الخارجية العراقية في مرحلة ما بعد «داعش»، هو التوجه لخلق وقيادة تقاربات سياسية بين دول المنطقة جميعاً وهذا حيوي لسببين الأول، يتعلق بضمان عدم دخول المنطقة في نزاعات جديدة وربما نسخ جديدة من الارهاب. والثاني، يرتبط بمرحلة طموحة تتطلب تعاوناً اقتصادياً شاملاً لدول الاقليم وهذا ضروري لكي تظهر اتجاهات جديدة وفعالة في ادارة العلاقات بين الدول تؤمن بجدوى الاقتصاد واولويته على السياسة. في العمق، ان التقارب بين الدول هو سمة من سمات النجاح وتغيير التوقعات حول مستقبل المنطقة والتقارب هو مصلحة للجميع وهو قوة للجميع لأن الشعوب التي تعيش في العالم العربي وايران تستحق حياة أهدأ وأجمل.

