Pdf copy 1

علي شايع
يرد في الإنجيل: “في البدء كانت الكلمة”.. وأول كلمات الوحي في الإسلام تأمر بالقراءة: “اقرأ”.. ولعلّ من نافلة القول إن التعليم والمعرفة تأخذ حيزاً مهماً في اهتمام البشرية على مدار النشأة الأولى. وقديما قال الإمام علي (ع) “العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال”.
قبل أيام أثيرت نقاشات طويلة بشأن التعليم في العراق على إثر تصريح للسيد علي الأديب وزير التعليم العالي السابق، تحدّث فيه عن مقترح بخصوص إلغاء (قسم من) مجانية التعليم. وتوسعت النقاشات أكثر من أي وقت مضى، لتأخذ أبعاداً سياسية ربما لم تكن على مستوى الأهمية الذي أفرزته الجوانب العملية لقضية ما زالت تفتقر لبحث الأوساط الأكاديمية الجاد؛ وفق تصورات تضع المستقبل العراقي بموازاة التجارب العالمية الكبرى.
دفاعاً عن التعليم، وانطلاقاً من رؤية وتجربة المعايشة والإطلاع على التجارب في المجتمعات الغربية، وبعيداً عن تبني ما ورد في تصريح الوزير السابق، أود الإشارة إلى تفاصيل أرى إنها في أصل المشكلة، وغالباً ما يتم تغافلها، فما أراده السيد (الأديب) في تصريحه، كان من المهم أن يصار إلى نقاشه منذ وقت طويل تحت قبة البرلمان.. وبحسب الأخبار؛ فإن التربية النيابية ستعرض القضية للنقاش أخيراً، وستقدّم “مقترحاً يلغي التعليم المجاني جزئياً”.
بالتأكيد إن النقاش البرلماني سيتبنى بحث الجوانب المتعلقة بالقضية من أفق التأثير على ميزانية الدولة، وما يتعلق بالجوانب الاقتصادية بشكل أولي، إضافة إلى بحث ما يتعلق بالجوانب الأخرى، ولن تكون خلاصة النقاش كافية للإلمام بقضية هي في الأصل (شأن داخلي) لوزارتين تضمّان كوادر أكاديمية ذات تجارب يعتدّ بها، وهي قادرة على استنباط ما يلائم المستقبل، بعيداً عن أي ضغط.
إن أهمية نقاش قضية ما يسببه التعليم من كلفة، مسألة تعتبر قيد النقاش اليومي في البرلمانات العالمية، فالدولة مسؤولة ومتكفلة (غالباً) رعاية الطفل حتى عمر (18) سنة، وليست المسألة منحصرة في مجانية التعليم-والتغذية المدرسية أحياناً- بل في صرف راتب شهري مخصص للطفل يضاف إلى راتب الأب، تكون فيه الدولة ملزمة العناية بالقاصر دون (منّية) من أحد؛ حتى أهله، لأن هذا الناشئ هو أبن الدولة وهي المسؤولة عنه حتى سنّ بلوغه التام. لكنها إلى جانب ذلك تستقطع من الأهل أو المعيل -بحسب سعة المداخيل- مبالغ لشراء الكتب والمناهج الدراسية.
في بعض مراحل دراسة المدارس العليا والمعاهد والجامعات تخيّر الدولة الطالب بين حلّين لدفع القسط الدراسي؛ فأما أن يستدين من أحد البنوك شرط السداد بعد التعيين، أو أن يتكفّل الأهل بدفع الأقساط. والدولة بوضعها لهذا الخيار توفر مبالغ للوزارات المعنية بالجانب التعليمي، لتنفيذ خططها في ما يتعلق بتطوير المدارس ودعمها على المستوى التقني المتطور وربطها بالعالم وما يستجد من معرفة.
والقضية ستبدو مضحكة لو وضعت للمقارنة؛ حين نعلم إن لدينا مدارس طينية، وطلبة يفترشون الأرض حتى هذه الساعة، لأن الدولة مثقلة بتكاليف أخرى خارج الإلزام، وليس لديها قوانين تنظم التعليم.

التعليقات معطلة