سامر المعاني
بين العشق والالم ديوان شعري للشاعر اسلام علقم صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ( بيروت – لبنان ) وتوزيع دار الفارس للنشر والتوزيع ( عمان – الاردن ) هذا وقد تم اختيار صورة الغلاف جامعة للشوك والورد إشارة للألم والعشق معا , الديوان جاء في مئة وستة واربعين صفحة واثنان وسبعين قصيدة من المقطع المتوسط اهداه لرفاق روحه في كل مكان وزمان ليقدم كلمته في استفتاحية الديوان يقدم نفسه لغة حاولت ان تقدم مكنوناتها التي مهما حاول الشاعر ففي قريحته الأكثر والأكثر .
…………………..
كتب الشاعر علقم القصائد العمودية والتي حملت منها عناوين ( وجع وفرح – استغاثة –حلم– طلائع الحب – إلى رسامة – درب العشق – انسان – مذهب الحب – سجال خاسر – حنين فطري وغيرها … نجد ان الشاعر مزج ايضا بين شعر التفعيلة والشعر العمودي كما قي قصيدة عودة و من عناوين الديوان ايضا على سبيل الذكر وليس الحصر من شعر التفعيلة الحاضرة في الديوان ( سيد الأرض – الغول – أهزوجة غزة الفلسطينية – لعمان أشكو – للحب روح- نحس- نرجسية – موال جدي … نضيف الى ذلك بان الشاعر كتب مقاطع شعرية لم تتجاوز النصف صفحة في اللونين ألعامودي والتفعيلة مثل ( لهاث – فصام الرجال – العشق الكسير- غيث شباطي – ناي العتاب – العشق الكسير – ظل – كما انت ) ومن هنا نستخرج بملاحظة ان ديوان علقم جاء متفاوت بحجم القصائد وهو دليل على ان الشاعر اختار مخطوطه اما على حسابها الزمني او الموضوعي فالتصورات الجامعة استطيع ان احصرها بالحب لكل من ( الوطن – الأنثى – الإنسان ) وبين مضمونين بين العشق الدفين والواقع المبلل بالمنغصات والانين.
يستهل الشاعر ديوانه بقصيدة بين العشق والالم في شكلها العمودي الموزون في سبع أبيات يخاطب مستنكرا حروفه المتعبة تارة وتارة اخرى الريح التي لم تعد تحمله الى عنفوانه المعهود بين حنين يصرخ عشقه المسكون في كل أضلعه لوطن يسكنه في كل تفاصيل الحياة كقبلة عشق اهملها وجع الرحيل فيقول: ( أبيات متفرقة )
هل الصفحات أتعبـــــــها اليــــراعُ
وهل يا ريــــــحُ أتعبكِ الشــــــراعُ
وإنْ يا حبُّ قد أطربتَ قلبـــــــي
فإنّ الرّوح يؤلمـُــها السّمـــــــــاعُ
هي الأوطـــــــان شوقٌ لا يغيـــــبُ
وإنْ كَثُرَتْ على العيــــنِ البقـــاعُ
سيبقى حزنها الممزوجُ فيـــــــــنا
كمــا القبـــــــلات يغمرُها الوداعُ
……………
في ديوان بين العشق والألم انت امام لوحات فنية في ريشة مبدع يكتب باكورة اعماله في نضوج تام قد رسم القصائد على حرفة بين وحدة الموضوع والاقتصاد اللغوي والصور المشبعة بالعاطفة والإحساس فالشاعر يملك القدرة على ان يكون متيقنا ومدركا لرسالته الادبية فقد استطاع ان يكون للوطن ابنه البار والعاشق الذي لا يتوارى خلف حنينه وشوقه وفي الحب كان للوفاء والاخلاص فارسا وعلى بابه الاخر استرسل في نكرانه لمن تخلى عن الوطن فتألم لوجعه وصرخ لخذلانه فيقول :
يقول النّاس قد صغر الكبير
وصار العقل يطغاه الجنانُ
أكان الحبّ درّجني لشِعري
أم الأوطان دنّسها الجبانُ
فلولا الحبّ ما نطقت حروفي
ولولا الشوق ما خفق المكانُ
…………
هذا وقد احاط علقم صور الجحود والخيانة والجهل والفقر ومما يدل ايضا على سعة ثقافته ادراكه للمعنى الحرفي للمفردة ويظهر من خلال الترادف والطباق والمقابلة واستخدام المفردة بأكثر من مدلول ( الكرى \ النوم – الشك والهموم – الافتقاد والاغتراب \ الشك واليقين ….) ناهيك عن المحسنات البديعية فالسجع في استفتاحية قصيدة احتضار الزهر ( الهوى – النوى \ المهيب والمشيب \ المغيب والغريب …. )
——-
يا مُنقذي
سقط القناعُ على مفارِشِ العِدا
خَضَعَتْ جحافلُ تغلبٍ
والنّوقُ أرهقَها الكرى
————
أمــا رحل الكـرى عن مقلتيـــــــها
وأوجــس خوفــه النسم العليــــل
فهل كــان الفراق من النّوايــــــــا
وهل ينسى صبابتنا الأصيــــــــــل
………….
فلسطين والشهيد \ الشوق والغربة \ العشق والالم دلالات في فهرسة الديوان ( الى والد الشهيد – شهيدة – كنعانية – عودة – راحيل غبنة راشيل – اهزوجة لغزة الفلسطينية …) هنا كانت العناوين جلية بالتخصيص رغم ان الوطن كان حاضرا في جل القصائد حاملا صورة شهيد يرتقي علوا كبيرا رغم وجع الفراق يتغزل بجمال الوطن الذي كان يبكي وروده التي سقاها يوما ما وقطفها من اجتث كل احلامهما فتغيرت كل خرائط الحضور واصبح الوطن حروف يغنيها لعل في درك الاحلام من نصر وعودة , فشكى حنينه الى حبيبته عمان بقصيدة ( لعمان اشكو ) وكيف الشوق يحمله لسيدة المدائن القدس في اخر قصائد الديوان ( حنين فطري ) وفيها العاشق الذي عشق المحبوبة التي تناديه حبيبا دون لقاء يغازلها بكل مكوناتها وتنوعها الذي حباها بها الله.
لِعمّان أشكو
تعالي نغنّي
من القدس لحناً
ونعدو قليلاً
فعمّان معكِ
أعود جميلاً
……………….
بــلادٌ مــا عرفناها صغارا
ولكــنّا سمعناهــا تنــــــادي
كهمس الليل تصدره السماء
يسيّرُنــا فنجمـح كالجيــادِ
فمــا غابت أهازيج الحنايا
ولا رحــل الجميلُ عن الفؤادِ
……………………..
الحكمة هذا العنوان الكبير في الديوان ولعله واضحا في القصيدة العمودية فلم تستلبسه العاطفة الجارفة من التحكم للعقلانية المسؤولة لتكون الحكمة في كثير من القصائد وهذا ما برر قصر نفس الشاعر في بعض القصائد التي جاءت بإظهار الحكمة من نصيحة وعبرة في كل دروب الحياة بجل قضاياها مستهلا جل ابيات هذا الموضوع بالنهي والنفي واداة الشرط اذا والمناداة والتحسر
تجمّـل بالمروءة يــا رفيقــي
فإن النّـــــذل خٓوّانٌ بلــــــــيدُ
وإن ربــابــة الأيـــام تــروي
فيسمعها الأقارب والبعيـــــدُ
فكن في صفحة التاريخ فخرا
وأمجـــاداً يرددها الحفيــــــدُ
الغزل والعشق ؛ وفي هذا الموضوع اشير الى الصورة الفنية عند علقم في الكناية وانواعها والاستعارة والتشبيه فقد رسم الجمال وتفاصيل السحر في انثاه واذاب جليد المفردات بشغف العاشق ولقاء اللهفة فهذه قصيدة غزل العذارى يستخدم الشاعر حوار الارواح بين النشوة والصدود والبوح والخوف وهنا ايضا يشير الى عامل الزمن وارتباطه في الحالة الوجودية لهذا العشق الذي خرج من براكين اختزاله للرغبة , وقصيدة اثير التي جمعت بين الوهم والتمني في رجاء الموعد الذي ساقه خيال الشارد باحثا عن من رسمتها الاماني , ( ابيات متفرقة )
أما طرَقَتْ رياحُك باب قلبي
وأيقَظَتْ ارتعاشات الثواني
أتخبو من دعابات الصّدود
وتغضبُ إذ يساورني إتزاني
فحقي أن أمارس كبح شوقي
لأشعل فيك نيرانَ احتضاني
……..
العامل الإنساني تمحور بين علاقات الإنسان بالأخر وعلاقة الإنسان بالوطن ففي( تساؤل مدمي) يتألم الشاعر نواح الثكلى وأشلاء الأطفال المترامية ومنهم من يبحث أمه لتضمد جراحه واب يحضنه الى طريق النجاة وفي موال جدي وهي من اطول القصائد في الديوان فالموال قصة تروي إحداث متسلسلة …كنا هناك … كبرنا وكروم يافا… أغنيته نسمعها لكن لا نراها, وفي قصيدة ( سارة ) تحيي العشق من جديد رغم جموح الالم الكبير فهي قصة عشق تترعرع بين يديه تناغي الدنيا جمالا وبهاء .
………..
ديوان بين الألم والعشق يتحفنا هذا الشاعر الجمعي بين وجوه الحياة المستترة والمكشوفة منها فأجازها وأولها وعاد يكشف صندوقها المملوء بالآلام والآهات النازفة فشاعرنا طوع القصيدة وموسيقاها وقدم لنا ديوان يستحق القراءة والتمعن .

