Pdf copy 1

         بغداد / المستقبل العراقي
كشفت وثائق تشكل جزء من تحقيق قضائي في خلية تابعة لـ»داعش» في تركيا عن اطلاق التنظيم المتطرف حربا تستهدف أهداف حيوية وكل ما تستطيع ايادي عناصره الوصول اليه.
ويقول ممثلو الادعاء الأتراك إن هذه الخلية نفذت تفجيرين كبيرين على الأقل في 2015، فيما أعطت تلك الوثائق نظرة معمقة نادرة على منشأ الشبكة الأوسع لـ»داعش» في تركيا وعملياتها.
«أطلقوا العنان للحرب في تركيا» كان ذلك الأمر الذي نقله إلهامي بالي عن قيادة تنظيم «داعش» في مدينة الرقة معقلهم الرئيسي في سوريا إلى خلية في تركيا بعد أن بدأت مقاتلات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في ضرب أهداف للتنظيم انطلاقا من قاعدة جوية تركية في صيف 2015.
ويُعرف ممثلو الادعاء الأتراك بالي على أنه القيادي الأبرز لـ»داعش» في بلادهم. وقد طلب من أحد المتشددين في مدينة غازي عنتاب الحدودية إعداد قائمة بالأهداف المحتملة للهجوم عليها. وقال بالي إن النقود والانتحاريين والعتاد سترسل لهم من سوريا.
وفي وثائق أعدها ممثلو الادعاء في أنقرة. قال بالي التركي الجنسية في رسالة بالبريد الإلكتروني من سوريا «شنت تركيا حربا علينا… لذلك نشن حربا ردا عليها. سألت من علينا أن نستهدف فقالوا لا يهم استهدفوا مسلحي حزب العمال الكردستاني استهدفوا الجنود الأتراك استهدفوا مواقع سياحية. أيا كان ما خططتم له».
وأرسل بالي هذا البريد الإلكتروني إلى يونس دورماز الذي يقول عنه ممثلو الادعاء إنه شارك مع بالي في تأسيس خلية «داعش» في غازي عنتاب.
وأعد دورماز قائمة طويلة تضم الأهداف المحتملة والتي شملت بطاريات صواريخ باتريوت تابعة لحلف شمال الأطلسي ومقرات بعثات دبلوماسية أجنبية ومكاتب للأمم المتحدة وملهى ليليا شهيرا في منتجع أنطاليا على البحر المتوسط.
وتقول الحكومة التركية إن نشاط «داعش» زاد بصورة ملحوظة في البلاد وتتهمها بتنفيذ سبعة تفجيرات انتحارية وقعت في أنحاء البلاد على مدى العام الماضي على الرغم من أن التنظيم لم يعلن مسؤوليته عن تلك الهجمات.
هكذا استخدم الإرهابيون أنقرة
وتظهر الوثائق التي لدى الادعاء كيف تمكن أعضاء يشتبه في انتمائهم لخلية «داعش» في غازي عنتاب من إقامة منازل آمنة لتسكين المقاتلين ومن تسهيل عبور البعض إلى سوريا ومن تأجير مستودعات لتخزين الأسلحة والذخيرة ودفع مرتبات وتسجيل النفقات في دفاتر وأيضاً صنع قنابل وأحزمة ناسفة للانتحاريين بمكونات اشتروها من داخل تركيا.
وترسيخ وجود قوي لـ»داعش» في تركيا كان من أحد المهام الضرورية لخطط معركة التنظيم في الشرق الأوسط وفي محاولاته لضرب الغرب أيضا باستخدامه للدولة العضو في حلف شمال الأطلسي كطريق مرور للمقاتلين والعتاد.
وجند التنظيم المئات من الأتراك للقتال في سوريا، بينما يقول خبراء الأسلحة إن تركيا أصبحت أهم مصدر للمكونات المستخدمة في صنع القنابل البدائية التي يستخدمها مقاتلو «داعش».
كما استخدم التنظيم تركيا كمدخل بين المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا من جانب وأوروبا من جانب آخر، حيث شن هجمات في دول من بينها فرنسا وبلجيكا.
كما أن تركيا وجهة تحظى بشعبية واسعة لدى السياح الغربيين الذين استهدفوا في تفجيرين على الأقل من بين التفجيرات التي تلقي تركيا بمسؤوليتها على «داعش».
والوثائق التي أعدها الادعاء في تركيا بشأن خلية غازي عنتاب اعتمدت على شهادات مشتبه بهم ورسائل متبادلة عبر البريد الإلكتروني ولقطات سجلتها كاميرات المراقبة الأمنية وأدلة رقمية ضبطت أثناء مداهمات للشرطة. وأكد مسؤول في محكمة أنقرة الرئيسية أن الوثائق صحيحة.
متفجرات محلية الصنع
وصعدت تركيا من حملتها ضد «داعش» في تموز 2015 بعد أن كان حلفاؤها الغربيون يعتبرونها في البداية شريك متردد في المعركة ضد التنظيم وفتحت قاعدة إنجيرليك الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مما سهل شن الغارات على أهداف التنظيم في شمال سوريا وسرّع من وتيرتها. وأصبحت تركيا بذلك هدفا رئيسيا للتنظيم.
وكتب بالي لدورماز عبر البريد الإلكتروني في صيف 2015 وقال «الطائرات تقصفنا هنا أكثر.. أعلم أن لديك مهمة صعبة لكن عليك بمواساة قلوب المسلمين المؤمنين هنا. اضربهم… حتى نكون سعداء».
وكانت الهجمات التي وقعت في تركيا وألقت أنقرة بمسؤوليتها على «داعش» عاملا مساهما في اتخاذ تركيا قرار إرسال قوات ودبابات للتوغل داخل الشمال السوري للمرة الأولى في آب في محاولة لإبعاد التنظيم عن حدودها.
وتشير وثائق الادعاء التركي إلى أن خلية بالي ودورماز نفذت في تركيا تفجيرين كبيرين على الأقل أحدهما في تموز 2015 في مدينة سروج والذي قتل فيه 35 شخصا أغلبهم من النشطاء الأكراد والآخر تفجير انتحاري مزدوج في أنقرة في تشرين الأول قتل فيه أكثر من 100 شخص.
وقال مكتب حاكم غازي عنتاب في بيان إن دورماز كان أيضا العقل المدبر لهجومين آخرين نفذا في وقت سابق من هذا العام.
وذكرت الوثائق أن الرجلين وبمساعدة أكثر من عشرة شركاء أساسيين، دربوا 150 مقاتلا على الأقل لشن هجمات في أنحاء تركيا. وتدير الخلية على الأقل منزلين آمنين وأربعة مستودعات في غازي عنتاب. وابتاعت الجماعة 1.5 طن على الأقل من نترات الأمونيوم وهي مادة كيميائية تستخدم في أغراض زراعية، لكنها أيضا تستخدم في تصنيع القنابل.
وضبطت الشرطة أيضا خلال مداهمات على الخلية منذ تشرين الأول 2015 قنابل يدوية وأسلحة رشاشة وذخائر ومكونات لصنع قنابل مثل أجهزة التفجير وكرات معدنية ومتفجرات.
وقال أرون شتاين وهو خبير في شؤون تركيا في مؤسسة مجلس الأطلسي البحثية المعنية بالشؤون الدولية ومقرها واشنطن «البيانات تشير إلى أن أعضاء أتراكا في (داعش) يصنعون متفجرات داخل تركيا بينها سترات استخدمت على الأقل في ثلاث هجمات وربما أكثر داخل البلاد منذ 2015». وتابع «السترات مصنعة بشكل أفضل من مثيلاتها التي استخدمتها (داعش) في فرنسا وبلجيكا. هؤلاء الأفراد مدربون بشكل أفضل في مجال صناعة القنابل». وذكر تقرير عن مؤسسة أبحاث تسليح الصراعات ومقرها بريطانيا أن تركيا مركز للحصول على مواد لتصنيع القنابل والتي يجري شحنها بعد ذلك إلى سوريا والعراق. وقال التقرير «تركيا هي أهم بؤرة للمواد التي تستخدم في تصنيع العبوات الناسفة البدائية من قبل قوات (داعش)».
تعليمات من الرقة
وأسفرت التفجيرات الانتحارية السبعة التي ألقيت مسؤوليتها على تنظيم «داعش» في تركيا منذ تموز 2015 في مقتل أكثر من 250 شخصا، لكن التنظيم لم يعلن مسؤوليته عن أي منها.
ويقول خبراء إن هذه ربما تكون استراتيجية متعمدة من تنظيم يتباهى بالتفجيرات التي ينفذها في مناطق أخرى من العالم.
وقال مسؤول أمني كبير طلب عدم نشر اسمه نظرا لحساسية الموضوع «إنهم مرتبطون بالرقة. التفجيرات هي نتيجة تعليمات من قادتهم».
وتابع «لكنهم يرون في تركيا أرضا للتجنيد ولا يريدون أن يقولوا بشكل علني إنهم يستهدفون مسلمين. ترك الأمر مفتوحا للتساؤلات أفضل من إعلانه».
وقد تفسر هذه الاعتبارات أيضا لماذا كانت الأهداف في تركيا تشمل إلى حد كبير المصالح الكردية والسياح الأجانب.
وقال يعقوب شاهين الذي يشتبه في أنه عضو بالخلية في إفادة لممثلي الادعاء أنه جرى إبلاغه بأن التجمعات في سروج وأنقرة استهدفت لأن من كانوا فيها أعضاء في حزب العمال الكردستاني المحظور الذي يحارب الدولة التركية من أجل الحكم الذاتي للأكراد. وقيل إن دورماز أبلغ شاهين عندما عبر عن شكوكه بشأن قتل مدنيين «هؤلاء كلهم أعداء الله». وحزب العمال الكردستاني مرتبط بالمقاتلين الأكراد في سوريا الذين يحاربون «داعش». وشارك في تجمعي سروج وأنقرة نشطاء مدنيون مؤيدون للأكراد.
مقتل دورماز
لم يتضح متى تأسست خلية غازي عنتاب، لكن الشرطة بدأت تراقب بعض الأعضاء في 2012. وتشير تقارير إعلامية ومصدر في الشرطة إلى أن بعض المشتبه بهم احتجزوا العام الماضي بينما فر ثمانية على الأقل إلى سوريا.
وقُتل دورماز نفسه في أيار عندما فجر سترة ناسفة كان يرتديها خلال مداهمة للشرطة على منزل آمن في غازي عنتاب. أما بالي فلم يعثر له على أثر.
ورفض مكتب حاكم غازي عنتاب التعقيب على التحقيق في أمر الخلية.
ويقول ممثلو الادعاء الذين دشنوا التحقيق بعد تفجير أنقرة في تشرين الأول 2015 إن الخلية استخدمت منازل آمنة لإيواء المقاتلين الذين تم تهريبهم إلى تركيا من سوريا والآخرين الذين في طريقهم إلى سوريا للقتال في صفوف «داعش».
ويعتقد أن مئات المواطنين الأتراك سافروا للقتال في سوريا على مدى الأعوام الأربعة الماضية. وبين عامي 2012 و2014 انضم الكثيرون لجماعات إسلامية بينها جبهة النصرة التي تحارب الرئيس السوري بشار الأسد والذي تريد تركيا رحيله. وبايع بعضهم «داعش» في وقت لاحق بعد أن أعلن التنظيم ما يسمى بدولة الخلافة في 2014. ويقول مسؤولون أتراك إن ما لا يقل عن 700 تركي انضموا لـ»داعش» لكن بعض الدبلوماسيين يقولون إن العدد قد يكون عشرة أضعاف ذلك. وقال أحد السكان في بلدة البيلي المتاخمة لأراض تسيطر عليها «داعش» وهو يصف المركبات التي تعبر الحدود بانتظام خلال الليل «لم يكن هذا سرا». ورفض الكشف عن اسمه خوفا من الانتقام. وتابع قوله «بعض الناس جنوا ثروة من ذلك ولا يزال هناك طلب. إذا لم تستأصل هذا الأمر من جذوره فلن ينتهي». وأعلن الجيش التركي أن الفصائل المعارضة التي تدعمها أنقرة والتحالف الدولي طردا الجمعة مقاتلي تنظيم «داعش» من قريتين في شمال سوريا.
واورد الجيش في بيان أن الطيران التركي قصف ثلاثة مبان للإرهابيين حول قريتي الغندورية وعرب عزة اللتين تبعدان حوالى 30 كلم غرب مدينة جرابلس الحدودية.

التعليقات معطلة