Pdf copy 1

نيل باكلي وهنري فوي
في بايلي تسناد، مدينة المنتجعات في جبال ترانسيلفانيا، تجمع آلاف الشباب الهنغاريين في ضوء الشمس أواخر تموز (يوليو) للاستماع إلى خطاب فيكتور أوربان، رئيس وزرائهم المتشدد.
كان أوربان يستغل «الجامعة الصيفية» السنوية والمهرجان الثقافي للطلاب في المدينة – التي كانت ذات يوم جزءا من هنغاريا، لكنها الآن جزء من رومانيا – لإلقاء خطب مهمة في مجال السياسة. في عام 2014 قال إنه كان يبني «دولة غير ليبرالية» في هنغاريا من شأنها الحفاظ على الديمقراطية والحرية، إلا أنها تقوم بعمل أفضل لمواجهة التحديات الحالية من خلال التركيز على القيم العائلية والتنافسية والأمن، بدلا من الحقوق الليبرالية. هذا العام، مع دعم أوربان لدونالد ترامب لتولي الرئاسة في الولايات المتحدة – معبرا عن إعجابه بموقف المرشح الجمهوري حول كثير من القضايا، بما في ذلك كيفية التعامل مع الهجرة – يوجه رئيس الوزراء هجومه على الاتحاد الأوروبي. قال «إن الأزمة الاقتصادية تحولت إلى أزمة النخب السياسية التي تسيطر على الكتلة المؤلفة من 28 دولة، وبالتالي أصبحت أزمة تعانيها الديمقراطية الأوروبية نفسها. في الوقت نفسه، طوفان المهاجرين من الشرق الأوسط جلب هجمات إرهابية مثل حوادث إطلاق النار في ميونيخ التي وقعت عشية خطابه». وقال «فقدت أوروبا دورها العالمي، وأصبحت لاعبا إقليميا. أصبحت غير قادرة على حماية مواطنيها (…) وحماية حدودها الخارجية (…) والحفاظ على المجتمع متماسكا معا، في الوقت الذي غادرت فيه بريطانيا للتو. ما المطلوب أكثر من ذلك حتى يعلن أي شخص صراحة أن القيادة السياسية في أوروبا فشلت»؟ ورغم جميع الانتقادات الموجهة إليه من بروكسل وقادة الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة بسبب تدميره للضوابط والتوازنات الديمقراطية وبسبب بنائه سياجا لمنع تسلل المهاجرين في العام الماضي، اعتبر أوربان أنه هو وهنغاريا كانا يسيران في الطريق الصحيح. وقد يتعين على «التيار العام الأوروبي» قريبا أن يحذو حذوهما. كما أعلن أن «هذه هي الطريقة التي يصبح فيها الإنسان الشاذ جزءا من المجموعة». أوربان هو الناقد الأكثر جرأة من داخل الدول الأعضاء الشيوعية السابقة الـ 11 التي انضمت إلى الاتحاد منذ عام 2004، لكنه ليس وحده. مع الاقتصادات المدعومة بمليارات اليوروات المأخوذة من أموال الاتحاد الأوروبي كل عام والنمو المتسارع بفضل الوصول إلى سوق موحدة، قد يكون من المتوقع لهذه البلدان أن تكون من مشجعة وداعمة لبروكسل. إلا أن بعضها – أو بعض قادتها – ليسوا كذلك. في حين إن الناخبين يحبون الحريات والتمويل الذي تجلبه تلك العضوية، استغلت الحكومات في وسط وشرق أوروبا التصويت بمغادرة بريطانيا لدفع خنجر في صدر مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقيادته، مصورة إياه على أنه نقطة تحول وجودية.بقيادة هنغاريا وبولندا، حيث استعاد حزب «القانون والعدالة» المحافظ المتشدد السلطة في العام الماضي، حذرت هذه الحكومات القادة الغربيين وجان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، من استخلاص استنتاجات «خاطئة» من مغادرة بريطانيا. وقالت «إن هذا التصويت كان نتيجة حتمية لفشل بروكسل في الاستماع للمواطنين»، واعتبرت أن الحفاظ على الوضع الراهن لن يؤدي إلا إلى مزيد من المطالبات للانسحاب. مع اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي الشهر المقبل في براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا – التي يعتبر رئيس الوزراء فيها، روبرت فيكو، ناقدا آخر للاتحاد الأوروبي – لمناقشة مستقبل الاتحاد في فترة ما بعد مغادرة بريطانيا، فقد المسؤولون في أوروبا الغربية وبروكسل أعصابهم. فهم يخشون أن تعمل هنغاريا وبولندا، المتهمتان بتقويض الحريات الإعلامية والسياسية، على استغلال هذا الوضع لتقويض سلطة الاتحاد الأوروبي ودفع رؤيتهما المحافظة الخاصة بـ «القيم» الأوروبية. ويتحدث بعضهم عن فجوة جديدة بين الشرق والغرب في أوروبا. وبحسب وزير بارز من دولة شرقية عضو في الاتحاد «أكثر ما يثير القلق حول الفجوة بين الشرق والغرب هو أننا نتحدث أساسا لغات مختلفة. نحن لا نفهم بعضنا بعضا. نحن لا نعتقد أن بروكسل في شكلها الحالي ستجلب لنا أي شيء».
الرباعي الغريب
الانقسام بين الشرق والغرب هو إلى حد بعيد ليس أمرا يخلو من الالتباس. فلا تزال جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة الثلاث، أستونيا ولاتفيا وليتوانيا ـ مع مراقبة روسيا فلاديمير بوتين كل حركة من حركاتها ـ من المتحمسين للاتحاد الأوروبي. ورومانيا وبلغاريا اللتان انضمتا إلى الاتحاد في وقت لاحق، تمارسان ضغطا للانضمام إلى منطقة شنجن التي يتم التنقل داخلها من دون جواز سفر في الاتحاد الأوروبي.
لكن قادة بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، التي تشكل كتلة تسمى دول فيسيغراد الأربع، ظهروا كنوع من الكتلة الحرجة في وسط أوروبا. ورغم أن التوتر كان يعتمل منذ فترة، كان الحافز خطة فاشلة في العام الماضي لجعل كل بلد من الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يأخذ «نصيبا مقررا» من اللاجئين. وكان ذلك لعنة لبلدان فيسيغراد التي ليست لديها تلك الخبرة الواسعة في التعامل مع الهجرة الجماعية ولديها سكان متجانسون نسبيا. لكن حتى في هذا الأمر، هناك مفارقات. وجد استطلاع أجري من قبل معهد بيو للأبحاث في حزيران (يونيو) الماضي أن البولنديين والهنغاريين لا تزال لديهم رؤية أكثر إيجابية عن الاتحاد الأوروبي من أي من الأعضاء الآخرين. أوتيليا داند، محللة سلوفاكية المولد لدى شركة تنيو إنتليجانس Teneo Intelligence، وهي شركة مختصة في استشارات المخاطر السياسية، تقول «إن هذه الأرقام تخفي الفوارق. لا يمكن لأي دولة شيوعية سابقة من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تصوت لمصلحة الخروج من الاتحاد، على عكس بعض البلدان الغربية. لكن كثيرا من المواطنين يشعرون بخيبة أمل بسبب العضوية». وترى أن «اللوم في ذلك يقع على التراث الشيوعي لدينا». كانت حكومات أوروبا الوسطى في كثير من الأحيان تبالغ في مزايا الاتحاد الأوروبي لكسب التأييد لإصلاحات واستفتاءات ما قبل العضوية. والطفرة التي حدثت قبل وبعد انضمام البلدان الشيوعية السابقة في عام 2004 تحولت مع الأزمة المالية عام 2008 إلى كساد بالنسبة إلى كثيرين وتلاشت آمال اللحاق السريع بركب الغرب الأكثر ازدهارا. وفي الوقت نفسه، أزمة الديون اليونانية وقضية المهاجرين كشفتا عيوب المشروع الأوروبي. وبحسب داند «تبين أن العروس ليست جميلة مثلما قيل عنها. الاتحاد الأوروبي هو على الأرجح أفضل أنواع الواقع الذي يمكن «لمواطني أوروبا الوسطى والشرقية» تخيله. كل ما في الأمر فقط أنهم ليسوا متفائلين كثيرا بالواقع الذي يرونه في الوقت الراهن».وتضيف أن بروز بلدان فيسيغراد الأربعة باعتبارها كتلة معارضة يعد تطورا ملحوظا، لأنه كان من الممكن على مدى فترة طويلة الاعتماد على «التوقيع بالقبول» من جانب هذه الدول على ما يتم عرضه عليها من سياسات وإجراءات. بولندا، في ظل حكومتها السابقة، من يمين الوسط، بقيادة دونالد تاسك – الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي – أقامت تحالفا قويا مع ألمانيا ومع أنجيلا ميركل، مستشارتها. 
لكن حكومات البلدان تشعر بالاستياء الشديد حين توصم بأنها من البلدان «المناهضة للتكامل الأوروبي». في الواقع، علامتهم التجارية من التشكك الذي يصفه وزير الشؤون الأوروبية في بولندا، كونراد زيمانسكي، بأنه «النظرة الواقعية تجاه التكامل الأوروبي»، بعيد إلى حد كبير عن النزعة الانفصالية لدى نشطاء مغادرة الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. وهم يشتكون من أن بلدان أوروبا الغربية تعاملهم مثل أعضاء من الدرجة الثانية.

التعليقات معطلة