Pdf copy 1

         د . يسري عبد الغني عبد الله
         باحث وخبير في التراث الثقافي
 
الدكتور / عبد الإله أحمد ناقد عراقي عريق بمعنى              العراقة ، وبرحيله عن عالمنا الفاني تكون الحركة الأدبية والأوساط الأكاديمية العربية بوجه عام ، والعراقية بوجه خاص قد خسرت واحدًا من النقاد البارزين المتميزين ، في نفس الوقت الذي خسرت فيه باحثًا أكاديميًا من طراز فريد ، باحثًا أصيلاً له اليد الطولى في الكثير من البحوث والدراسات والأطروحات الجامعية التي أنتجت عددًا كبيرًا من الباحثين والدارسين والمدرسين من طلاب علمه الذين يرفدون الجامعات العراقية والعربية بعطائهم البحثي والتدريسي .
والدكتور / عبد الإله أحمد له فضل الريادة في توثيق تاريخ القصة العراقية بكتابه المهم (نشأة القصة وتطورها في العراق : 1908 م ـ 1939 م) ، هذا الكتاب الذي ظل وسيظل مرجعًا مهمًا في ميدانه ، وكذلك كتابيه (الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية) ، و (فهرست القصة العراقية) ، فضلاً عن العديد من الدراسات والمساجلات والمناظرات النقدية المهمة ، التي دأب (رجمه الله ) على نشرها في أمهات المجلات العربية والعراقية .
كما أن له محاضرات ومداخلات قيمة خلال مشاركاته الواضحة في الندوات والملتقيات والحلقات الدراسية والمهرجانات والمؤتمرات الثقافية والأكاديمية التي عرف فيها محاضرًا غزير الفكر والمعرفة ، ومحاورًا حصيفًا حماسيًا مثيرًا للحوار والنقاش .
وقد يقول البعض أن العالم الجليل الدكتور / عبد الإله أحمد ظل ذا مزاج نافر وحاد في أطروحاته النقدية ، وأنه لم يطمئن أو يتطامن يومًا مع أي سلطة سياسية أو فكرية أو أدبية منذ الخمسينيات حتى يوم رحيله عن دنيانا الزائلة .
ومن الجائز أن يكون هذا الكلام صحيحًا إلى حد ما ، ولكن الظروف والملابسات والأحوال التي عاشها جيله ، نضيف إلى ذلك التقلبات السياسية والاجتماعية و الثقافية التي مر بها العراق ، وبلاد الأمة العربية على العموم ، كان لها أكبر الأثر في شخصيته .
ولكن المؤكد أنه لم يتصادم أو فلنقل إنه لم يكن تصادميًا مع أي من تلك السلطات ، مع الوضع في الاعتبار أنه أيضًا لم ينفتح في فكره النقدي على المناهج والمدارس والتيارات الحدثية في النقد الأدبي الحديث والذي ماج بالعديد بالتيارات والاتجاهات ، بل بقى مشدودًا إلى منطلقاته وأطروحاته الأولى فلم يتقدم عليها منذ أن ألف كتبه المهمة والمرجعية التي ذكرناها آنفًا .
لقد أجمع كل من عرف هذا الرجل الجاد أنه كان يمتلك حضورًا أدبيًا كبيرًا في الأوساط الأدبية والفكرية الثقافية ، وكان لآرائه وقع كبير في محافلها وأنشطتها ، لما اتسمت به تلك الآراء من الجرأة وقوة  الطرح ، مما لا يمكن تخطيها بأي حال من الأحوال ، ومما يؤسف له حقًا ، أن أغلب هذا الجهد العلمي المحترم والمهم للناقد الراحل في مثل هذه المناسبات لم يجمع في كتاب أو ينشر في إحدى الدوريات العلمية ، ولو تم ذلك لاستفاد منه الناشئة وشباب الفكر والأدب ، بل أهل العلم والفكر والنقد جميعًا ، ولكن معظم هذا الجهد قاله شفاهًا ذهب بانتهاء مناسبته .
ولم يتخذ الدكتور / عبد الإله أحمد في كتابيه المهمين (نشأة القصة وتطورها في العراق) و (الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية) ، نهج المؤرخ الذي يكتفي بعملية التوثيق ، بل اتخذ منهج الناقد المحلل ، والمستنتج الدارس ، فاستطاع أن يعكس بجلاء تطورات القصة العراقية ، وأن يرصد رصدًا دقيقًا تياراتها الفنية وتنوعاتها و قيمها الفكرية والجمالية .
ولعل ما سبق هو الذي ميز بحثه العلمي الجاد ، في الوقت الذي لم يتنبه إليه الآخرون ، الذين وجدوا أن أمور التمحيص والفحص والتدقيق تحتاج إلى جهود مضنية ، وصبر ومثابرة ، وكل ذل لا قبل لهم به .
وتتضح عظمة جهد الأستاذ الدكتور / عبد الإله أحمد في كتبه (نشأة القصة وتطورها في العراق : 1908 م ـ 1939 م) جلية ، إذا ما عرفنا أن أي جهد مماثل لم يظهر عن الفترة التي تركها دون أن يشملها في بحثه المذكور ، أي فترة ما بعد 1939 م ، حيث ينتهي كتاب                              الدكتور /  عبد الإله .
وحسب علمي المتواضع فإنه لم يظهر حتى وقتنا الحالي كتاب   أو دراسة أكاديمية توثق وترصد تطورات الفن القصصي في العراق         الشقيق ، وتسعى إلى الإحاطة بأساليب هذا الفن المختلفة ، أو تعمل على ذكر أبرز ممثليه ، أو تحاول إبراز التطورات الفنية والفكرية في المرحلة اللاحقة ، كما فعل هذا العالم الكريم الذي وهب حياته لفن القصة                  العراقي ، فأخلص له .
وهنا أعود لأقول إن هذا الباحث الكبير ترك إرثًا كبيرًا ، لذلك ندعو ونلح في أن تسعى المؤسسات الثقافية أكاديمية وغير أكاديمية في العراق الشقيق ، وكذلك تلاميذه وزملائه في العراق وسائر الدول العربية إلى حفظ ونشر ما لم يحفظ أو ينشر من تراث الدكتور /عبد الإله أحمد ، وذلك يسهل تداوله بين الكافة من القراء ، وبذلك نقدم خدمة جليلة لكل محب للعلم والأدب والنقد ، ولكل من أراد أن يتعلم النقد الأدبي وفقًا لقواعده وأصوله ليس كمثل الأستاذ الدكتور عبد الإله احمد (1940ـ2007) ، الكاتب والناقد ، والأديب ، والأستاذ الجامعي الذي رحل عن دنيانا في شهر مايو 2007 م ، من وثق للأدب القصصي في العراق المعاصر . وبالرغم من عظم إنجازاته ، وإبداعاته في مجال الكتابة والنقد ، إلا أنه كشأن زملائه وأقرانه الأدباء والمفكرين ، والشعراء والأساتذة ، والأكاديميين لم يحظ بما يستحقه من اهتمام ، وقد عاش ومات في دائرة الصمت والعزلة . لقد خسرت الحركة الأدبية والثقافية في العراق والبلدان العربية ، بحق واحدا من نقادها وباحثيها البارزين ، كانت له إسهاماته المتميزة  في الكثير من البحوث والدراسات والأطروحات الأكاديمية التي نجم عنها عدد كبير من الباحثين والأساتذة والدارسين الذين رفدوا جامعاتنا والجامعات العربية بالكثير من العطاء سواء في مجال البحث أو التأليف أو التدريس ـ كما ذكرنا من قبل . 
لقد امتلك ، رحمه الله حضورًا قويًا فاعلاً  بينًا في الأوساط الأدبية والفكرية ، كما كان لآرائه وقع كبير ومردود ثري ، في محافل تلك الأوساط وأنشطتها لما اتسمت به من الجرأة والقوة دون شطط أو ادعاء . وما تركه الناقد الكبير الدكتور / عبد الإله أحمد يعد جهدا رائعا متميزًا  لم يظهر مثله في كتاب أو بحث أو دراسة أكاديمية تناقش وترصد تطورات هذا الفن ( الفن القصصي في العراق) وتحيط بأساليبه المختلفة . 
وكما قلنا من قبل فإنه قد ظل (طيب الله ثراه ) بعيدا عن السلطة السياسية في بلاده ، فمزاجه الحاد ، ونفوره من الخطأ                     والمعايب ، وحرصه الشديد على قول الكلمة الصادقة البناءة ،حال دون أن ينال في حياته من التكريم والإشادة والتشجيع الا في مرات قليلة جدا ، لكن هذا لم يمنع من ان يظل أستاذًا متمكنا ، وباحثا جادا ، ومحاورا    حقيقيا ، وقبل هذا كان إنسانا طيبا وكريما تتجسد فيه معاني الإنسانية بكل سموها .
ولقد أجمع زملاؤه  في التدريس على أنه كان يتمتع بامكانات علمية عالية وحسناته ومزاياه في المنظور العلمي الجامعي أو الإنساني ، كثيرة ومهمة ، أولها موضوعيته في النظر إلى الأشياء التي تخضع للدرس ، فهو لا ينحاز فيها إلا إلى الإبداع الذي يبحث عنه في النص ، قصة كانت أو رواية ، دون أن يميل ميل المصلحة الخاصة أو التعصب أو الدخول في الرأي الشائع المشهور عن العمل الذي لا يستحق الشهرة ، وقد طبعت هذه الموضوعية العلمية أعماله المنشورة ، وشهد له بها أساتذته في بغداد والقاهرة ، وزملائه وطلابه ، وتلمسها قراؤه ومتابعوه . للبحث صله 

التعليقات معطلة