Pdf copy 1

سنان أنطون
«كان يعرف حماقات البشر كما يعرف يده/ وكان عظيم الاهتمام بالجيوش والأساطيل/ كان النوّاب المحترمون ينفجرون ضحكاً إذا ضحك/ وإذا بكى/ كان الأطفال الصـــغار يموتـــون في الشــوارع». و. ه. أودن (من «نقش على قبر طاغية»).
هناك طاغية يضحك في قبْره. وطاغية آخر يضحك في قَصْره. ولكن لماذا يضحك الطغاة؟ أهي ضحكات تشبه ضحكات نيرون وهو يرى روما تحترق؟ يقول المؤرخون إنّ نيرون لم يعزف القيثارة، ولم يضحك وهو يشاهد روما تحترق، كما يُشاع. ولم يكن في روما أصلاً! بل قدم إليها من آنتيوم وأشرف بنفسه على محاولات إطفاء الحرائق. لكنها أسطورة رفعها التكرار إلى مصاف الحقيقة وأصبحت أمثولة: نيرون يتلذّذ باحتراق روما.
يضحك الطغاة الذين أعنيهم، مجازياً أو فعليّاً (مجازياً للذين سقطوا وفعليّاً للذين ما زالوا) لأن بعض الأساطير التي نسجوها، وتمّ نسجها وترسيخها عنهم وعن عهودهم، مازالت تفعل فعلها، وإن بطرق غير مباشرة أحياناً (وحتى بعد سقوط نظامهم أو تضعضع أركانه). ولعل المثال الأوضح هو خطاب المماهاة بين الطاغية وبين الدولة والوطن. وهو خطاب رسّخه جيش من الشعارات والأناشيد والأغاني والطروحات والمقالات والقصائد والجداريّات التي ربطت «القائد» بالوطن حتّى بات يصعب تخيّل الثاني من دون أن يحتل الأوّل المشهد، إن لم يخسفه بأكمله.
ومع أن عمر الدولة يفوق عمر الطاغية بعقود طويلة، إلا أن عصرها «الذهبيّ» (المتخيّل طبعاً، والذهبيّ بإسقاطات الحاضر على الماضي، وبفعل الذاكرة الشديدة الانتقائيّة) يتطابق مع سنيّ حكمه. ومع أن استبداده وسياساته وحروبه، الداخليّة والخارجيّة، هي التي أضعفت مؤسسات الدولة ومسختها، فإن خطاب المماهاة المتجذّر يترجم الحنين إلى زمن كانت مؤسسات الدولة تعمل فيه بانتظام نسبي، يترجمه إلى مراثٍ للطاغية ولزمنه. ومع أن سياسات الطاغية الكارثية وحساباته الخاطئة هي التي سهّلت وأدّت إلى احتلال البلاد، أو أجزاء منها، أو ساهمت في حالة أخرى في جعلها ساحة لحروب بالنيابة، فإن خطاب المماهاة يجعل الطاغية رمزاً للسيادة والاستقلال.. اللذيْن فرّط بهما سيادته!
يضحك الطغاة، لأنهم يعرفون أنّهم يستفيدون من منطق التضادّ الثنائي المهيمن، ولأنهم يدركون أنّ وحشية بعض أعدائهم ستستخدم في آخر المطاف من قبل البعض كمساحيق لتجميل وجوههم ولتخفيف أثر بشاعتهم ووحشيتهم. وكلما ضحك الطاغية كان الأطفال الصغار يموتون في الشوارع!

التعليقات معطلة