عامر الساعدي
مفهوم الرواية بوصفها الادبي وتجنيسها ، هي سرد نثري طويل يصف شخصيات خيالية وأحداثاً على شكل قصة متسلسلة، كما أنها أكبر الأجناس القصصية من حيث الحجم وتعدد الشخصيات وتنوع الأحداث .
في زمن المنافسة بين الرجل والمرأة في كافة المجالات ، ومن ضمن هذه المجالات المجال الادبي ، ظهرت المرأة العربية وهي تنافس الرجل في مجال الشعر ــ والرواية ــ والقصة ، حيث ابدعت إلى حد التصور ، دخلت المرأة العربية في الحداثة ، أو لتكتب الحداثة تماشيا مع الوقت والمعاصرة للزمان الآني ، وخير دليلا على هذا الكلام رواية “ ريح الصبا “ للشاعرة والرواية التونسية ( الثريا رمضان ) التي استخدمت اسلوب التقنية الحديثة في عملية توظيف الرواية ، وتعبأتها في اسلوب حديث جدا ، الرواية هذا الجنس الادبي الذي قل نظيره ، أو بالاحرى نادر ما تجد رواية تشدك للقراءة لجمالية التعبير ، والتوصيف ، ونقل الحدث ، أو سعة الخيال الذي يتملكه الراوي .
وللمرأة علاقة بالسرد الروائي ،واثبات المهارة النسوية، في مجال تطويرالرواية. قديما وحديثا وخير دليل على ان المرأة متفوقة في هذا المجال شهرزاد وهي تسرد. حتى انتصرت على الموت ، وفي العصر الحالي تحتال المرأة بالسرد على سلطة الرجل الفحل، فربما كانت الرواية أكثر إبرازاً لدور المرأة وصوتها الان ، حيث ركزت على انوثتها .
“ ريح الصبا “ رواية للشاعرة والكاتبة التونسية ( الثريا رمضان ) والصادرة من دار فضاءات للطباعة والنشر ، تتكون الرواية من (196 صفحة ) هذه الرواية تنقسم إلى عدة اقسام ، أو عوامل كثيرة سوف نأتي على ذكرها بالتفصيل حسب رؤيتنا لها .
عامل الاسلوب ـــ ،طريقة الكتابة باستعمال الكاتب للأدوات التعبيرية من أجل غاياتٍ أدبية , وبذلك تكون في مفهومها النقدي هي العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية الانفراد في الاسلوب واستطاعتها في التلاعب بكيفية ايصال فكرتها في الرواية للمتلقي ، أن كان نخبوي ، أو متلقي عامي بسيط ، وهذا دليل قدرتها وتمكنها من امتلاك الحرفنة في مجال التوظيف ، وقد تكون الغاية انها تتحدث باسلوب مختلف الا وهو التحدث بصيغة انثى أخرى ، أنثى مشابه لها لانها ابتعدت عن نفسها , وهذا دليل على انها تعيش بروحين ، روح انثى داخلية ، وروح انثى خارجية ، الداخلية هي الروح التي تتحدث بوجدان وروح القلب والشعور والحسية ، اما الروح الاخرى في روح الجسد ، وعلى ما اعتقده من خلال قراءتي انها تعاملت بروحية الحس.
عامل الانفعال ـــ يقول “ فرويد “ ان الذات الانسانية هي جهاز نفساني شديد التعقيد.. و هي في كثيرمن الأحيان تسعى للتوازن بين نزوعها للحياة وبين الصعوبات التي تعترض هذا المقصد.. ولكن الوعي الانساني لا يقف مكتوف الأيدي!!
اذن يتبين أن الكتابة هي عامل نفسي انفعالي ، منغمس بروح الذات لدى الكاتب وهو يطلق عصب الحرية دون خوف ، أو تردد ، استخدمت الروائية ( الثريا ) حروف النهي بكثرة ، مابين اللا ، ولن ، عملية تأكيد على انها كان تصب في نهر عميق الا وهو دفاعها عن الحرية بأسلوب مختلف لم يتطرق له احدا من قبل.
لا أحد ينتظر امرأة منسيّة في أحزانها / لا أحد يفتقِدُ امرأة متروكةً في الغبْن عُنوة/ مجتمعاتنا تشطب اسم المُطلّقة من قائمة العفيفات/ تعبث بملفّات ماضيها/ تجعلُها شهيّة في عيون الزُناة/
الانفعال النفسي الحسي بداخل المفردة رغم وجود جراءة تتحدث فيها عن مجتمع شرقي مجرد شهواني ، المجتمع الذي ينظر للمرأة على انها مجرد فراش للسعادة الزوجية لا اكثر ، هنا استخدمت سلطتها الانثوية في الدفاع عن حريات الكثير من النساء في المجتمع العربي خصوصا وعملية الرؤيا لهن بعين مختلفة ، رغم هذا الصد والرد من الكاتبة نها استطاعت ان تضيف شي اخر ، “ لا “ اللا التي ترفض بها ما يجري الان حينما تقول لا لا أحد يفتقِدُ امرأة متروكةً في الغبْن عُنوة ، وتؤكد في كلامها مرة اخرى ، مجتمعاتنا تشطب اسم المُطلّقة من قائمة العفيفات ، انفعال ، ثم العامل النفسي ، حتى استطاعت ان تدافع بحرفها عن جنسها ، هنا يمكن القول ان المراة بقوتها تمثل فكرة قوية، ولا تسمح بزوال قوتها وفكرتها ، حتى عندما يعارضونها.
السؤال الكبير الذي نود طرحه في “روح المرأة”، “وماذا تريد المرأة؟” الاجابة غير انها تريد أن تأخذ حقها ، تقول ، رغبت في إنقاذ ما تبقّى لي من شرف، شرف الإرادة والحرية والوقوف على ناصية الحياة بلا ألم.
وتقول في مقطع شديد التأمل ، كان نومي مضطربا/ أستفيق كلّ ساعة مرّتين/ أتململ يمنة ويسرة/ أفكّر في العمر الذي مضى/ والعمر القادم/ سرقوا جواز سفري/ الورقة الوحيدة التي كانت تثبت حرّيتي ، الحرية هي وحدة الموضوع والمهاية في الرئيسية في الرواية ، هي عملية اثبات ان المرأة شديدة العاطفة
الفنية ، أو التقنية الفنية والاخراجية للرواية لابد أن تكون حقيقية كي لا تشوه القراءة للمتلقي ، حيث اهم عامل فيها الترتيب ، والتدريج ، نزلا وصعودا حتى يصل المتلقي لمبتغى في هضم المعنى ، الفنية في الكتابة لها عدة عوامل اهمها .عملية توظيف الجملة بما تلحقها دون الخروج من نفس السير ، وهذا ما عملت علية الروائية في عملية ايصال الفكرة للمتلقي وجعله يعيش الحالة دون التشتت ، أو الشرود الفكري ، ونرى انها استخدمت تلك الفنية بحرفنه عالية دليل على انها كانت حريصة جدا ومواضبة على عدم اهمال شيء من هذا التوظيف الفني .
يقول فرويد في كتاب علم النفس، ان التجارب المؤلمة التي تصيب الانسان، يحتفظ بها في اللا وعي.. وهي تمثل «المكبوت» وهو المشاعر الدفينة التي تعذب ذكراها الوجدان.. و تسمى بالوجدان الشقي.. والذات تتداوى من هذه الجراحات السابقة وتشفى..
تبدأ من خلال تصوراتها ، الاغتراف من الهذيانات، لأنها ترشد إلى أعماق الذات بمجموعة من الهلوسة والجنون وتتذكر القصص القديمة والمشاهد المجهولة والأفكار المتضاربة والتنبؤات البعيدة وحشد العواطف وتشويش العقل والعبث. إنها انطلاقُ الوحي الحر من أعماق النفس وتدفقه بحرية تامة مخترقاً جميع الحواجز.
يمكن القول بأن خصائص الرواية أن كاتبها يميل إلى الإسهاب في سرد الأحداث بما فيها الزمان والمكان ولا يترك شيئاً إلا أن يقدم له وصفاً مفصلاً ، حيث أن الرواية تستمد طولها من هذا الوصف التفصيلي.
ويضم الموضوع العديد من الأمور التي تعكس أدق الامور البيئة المحيطة بنا ، أو مجتمع، فنظرة الكاتبة في هذه الرواية هي نظرة شمولية تشتمل على أحداث وطبائع وعادات وأزمنة قد لا يكون مر بها ، أو بأحداثها والوقوف على تفاصيل يتم الإسهاب فيها. أي أن حرية الكاتب سواء للإيجاز أو الإسهاب ، يمكن القول عدم التقيد، وعدم التقيد يعطي سهولة في الكتابة ولا يكون هناك احتياج للدقة.
تقدم الرواية سرداً لأحداث وأزمنة وأماكن كثيرة، وهذا يتطلب أن يكون كاتبها مؤرخ للتاريخ، أو أن يكون باحثاً اجتماعياً ملماً بكافة التفاصيل حتى تتوافر المصداقية في روايته لأنه يتناول الحدث وكأنها تحدث في الحقيقة.. الأمر الذي يتطلب الدراسة المتعمقة لكافة الأنماط المحيطة به في البيئة لكي تبدو طبيعية لتتوافر واقعية الأحداث. فالإنسان ينجذب إلى كل ما هو واقعي أو اجتماعي يحدث من حوله.
الطول في سرد الرواية ليس العنصر الوحيد الذي يميز الرواية عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، وإنما توجد مقومات فنية أخرى تجعلها ممتعة لقرائها. ومن هذه المقومات الفنية ، أو العناصر هي وحدة الموضوع كما قلنا سابقا .
يتبين من خلال القراءة أن الكاتبة كانت واقعية أكثر في توصيف الاحداث والانتقال تنازلي وتصاعدي والتي جعلت فيها البطل ، أو البطلة شخصا يعاني اجتماعياً ويقابل العديد من الصعوبات والمغامرات التي من خلالها يرى العالم من حوله ثم يعقب بسخرية، ويحاول التغلب على هذه الصعوبات لكي يحيا. واخيرا شكرا للرواية التونسية ( الثريا) لاهدائي منجزها الجميل .

