عاطف محمد عبد المجيد
منذ فترة وقع في يدي وعن طريق المصادفة كتاب للفرنسي ﭼول رينار، وضع فيه عصارة فكره ورؤيته لجوانب الحياة، في شكل ومضات أو كبسولات مكثفة، لكنها رغم قِصَرها تجعلنا نقف أمامها طويلا متأملين معناها وفحواها راغبين في استيعابها كما ينبغي.والآن يقع في يدي، عامدًا متعمدًا كتاب “ أنا من أهوي..600 طريق إلى العشق “ للشاعر أحمد الشهاوي، والصادر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية.الكتابان يتشابهان في أن كلا منهما اعتمد فيه مؤلفه على تقنية التكثيف، وكتابة الومضة / الكبسولة، غير أنهما يختلفان في أن الأول انفتح على الحياة بكل نوافذها ومجالاتها، فيما اقتصر الثاني على زاوية العشق، يقوم ويصلي ويتعبد في محرابها دون سواها. وبعيدًا عن كتاب رينار، نجد أن كتاب الشهاوي لا يمكن تصنيفه إلا تحت مُسمّى كتابة، في حين أنه يحتوي، في ومضاته، على الشعر والسرد معًا.كما يُعتبر مرجعًا مهمًّا لمن أراد أن يقرأ أو يبحث في مجال العشق والهوى.وإذا كان أناتول فرانس يدافع عن النقد قائلاً إن النقد سياحة تقوم بها الروح بين الأعمال الأدبية، وكأنما الناقد بستانيّ يطوف بحدائق الأدب مجتنيًا من كل بستان زهرة، فإن أحمد الشهاوي يطوف بنا هنا حول كعبة العشق وقِبلة العشاق مانحًا إيانا إكسير المحبة التي تحتضن روحين معًا جاعلة إياهما ينغمران في بحيرات من نشوة ومتعة لا يشعر بها إلا كل من ذاقها ذات عشق صوفي أبدي.في كتاب عشقه هذا يبدو أحمد الشهاوي حكيمًا مرة، فيلسوفًا مرة، ومرات أخرى صوفيًّا يهيم في جِنان العشاق.
روحان حللنا بدنا
أحمد الشهاوي الذي قالت عنه الكاتبة نوال مصطفى إنه شاعر يتنفس الحرف ويذوب في الكلمة ويغوص في أعماق كتب المتصوفة، إنه شاعر يعشق العشق ويسبح في بحور المعني ويصطاد من لآليء الكلمات وجواهر المغزى، ويتوق إلى القبض على المعاني المخبوءة في قلوب البشر، يرتدي هنا عباءة أحد كبار العشاق عبر التاريخ البشري، بغوصه وسباحته في نهر العشق، مستخرِجًا لنا، كقراء، لآلئه ودراته النفيسة التي تُحيل حياة كل العاشقين جنةً مُشتهاة، لا لذة ولا أمنية بعدها أبدًا.الشهاوي الذي يُقسّم كتاب عشقه وهواه هذا إلى ستة أجزاء يضم كل منها مائة ومضة عِشْقية، إذا جازت لنا هذه التسمية، يفتتحه ببيت شهير للحسين بن منصور الحلاج يقول فيه: “ أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا “.كما يعتبره بعضًا من نفسه، أو جزءًا من كله.
ألم وتجربة
هنا يضع الشهاوي ستمئة من شذوره ذاكرًا أن القارئ ربما يكون مشغولا أو مهجوسًا بغير ما هو فيه، داعيًا إياه أن يجرب وأن يقرأ كأنه من كتب هذه الشذرات، مؤكدًا أنه يحمل ألمًا وتجربة وهذا الكتاب هو بعض تجليها، أو هو جزء من نارها التي أحرقته.الشهاوي يعتبر كتابه هذا دعوة إلى الغوص والغرق في عالم العشق، فما الغرق إلا نجاة من غرق أفدح، مثلما يدعو قارئه إلى أن يقرأ هذا النص وكأنه هو من كتبه، وأن يصبر على الحرف لأنه منه هو كقاريء، وقد يجد روحه غرقى في سطر ما.هذا الكتاب، وكما نقرأ على غلافه الخلفي، هو كتابة عن العشق والهوى وفنون الحب والعلاقات الإنسانية، وليس ثمة فصل هنا بين الغرام كمعنى جميل وبين الجسد.هنا يلفت الشهاوي انتباهنا إلى كيف نحب وكيف نعشق وكيف نتواصل مع من نحب وكيف نرضيه وما الذي يحتاجه منا.إننا هنا إزاء كتاب يحتاجه كل رجل عاشق، وكل امرأة محبة، إذ يُمثل دستور غرام لا ينضب.هذا الكتاب الذي يتكيء على أعمدة ثلاثة هي العشق والعاشق والمعشوق، حين نقرأه ونبحر عبر صفحاته التي تجاوزت رُبع الألف، نحيا حالة من عشق مُتخيَّل في عالم مثالي نصبو إليه جميعًا، وصل إليه قليلون، وعاد كثيرون من منتصف الطريق بخفيْ حنين.كذلك نجد تعريفات للحب، للعشق، للعاشق، لحالة العشق الروحي: “ الحب هو العالم الآخر الذي لا عالم بعده / الحب هو ما يؤنس الغريب والوحيد واليتيم دون قصد أو تعمد أو معايرة / الحب فن لا يمنح أسراره إلا للمحب، ولا يفتح فصول كتابه الألف إلا لشارٍ لم يعرف البيع، ولم ترد المفردة في لغته “.أما في تعريفه للعشق فيرى أنه نار كامنة في حجر القلب، وأنه إله معبود.
نصائح
غير أن الكتاب لا يكتفي بإطلاق التعريفات وحسب، بل يُقدم عدة نصائح للعشاق، عساهم يهتدون بها وهم يسيرون على طريق العشق ودرب الأحباب: أَنِرْ بيتك بمصابيح العشق…/ لا تمْشِ إلى امرأة ليست أهلاً لك…/ أَحِب دون خوف ودون انتظار نتائج من أي نوع…/ إن أردت أن تكون ثريًّا وتعتبر إنسانًا كاملاً فعليك بالعشق.الشهاوي الذي تلبّسته حالة العشق هذه يتماهى في جسد محبوبته وروحها، جاعلا من عشقه لها دينًا وصلاة وعبادة كاملة قدّام عرشها كإلهة.الشهاوي العاشق هنا لا يقتصر حديثه عن العشق كروحين يمتزجان معًا، بل يذكر الأرض التي يلتقيان عليها وهي جسد المعشوقة بمفاتنها من شفتين ونهدين وساقين يحملان بين شاطئهما نهر عشق أبدي.ورغم حالة العشق التي تسيطر على الشهاوي في ومضاته الستمئة هذه، وفيها يرى أن المرأة معشوق نهائي، بينما الرجل أعرج القلب، لا يفوته أن يتحدث عن نفسه معتزًا بها: “ أسوأ ما فيّ أنني رئيس نفسي، أرتب فوضاي بطريقتي، ونظامي هو اللانظام، أتبع قلبي، وأنعم النظر في روحي، وأبصر مرايا من أحب، أكره الجدول الذي يحبسني في صرامته، دقيق ومرتب ومستغنٍ، وكل شيء عندي في فلكه يسبح من دون صدام أو ارتطام بأرض الواقع أو الآخر، أعوّل على الحلم وأعتبر الخيال خيلي…”.
دين جديد
هذا هو الشهاوي الذي يرى أن هؤلاء الذين يؤمنون أن زمن المعجزات قد ولى هم مخطئون وحمقى، لأنه لا يمر عليه نهار دون أن يكتشف معجزة في جزيرة معشوقته، حتى أنه ظن أن هناك دينًا جديدًا على الأرض.أما الشيء الوحيد الذي يحزنه إن مات، ونتمنى له طول العمر ومزيدًا من الإبداع والتألق، أنه لن يستطيع أن يغني شِعره لمعشوقته مرة ثانية.وفي الأخير لا أنكر أن الكتابة عن مثل هذه النوعية من الكتابات هي في قمة الصعوبة، غير أن السهل هو قراءتها والتمتع بما فيها من عالم ومعانٍ، بعيدًا عن واقع كسيح فقدَ أطرافه الأربعة، ويحطم أجنحة كل من يريد أن يبني له بيتًا في عالم آخر، يتحلى بالجمال والعشق والهوى: “ الشرح يفسد المتن، ومن يتكلم رمزًا يصل، ويُصلي في محراب المعشوق “.

