فرانسوا غوديشو
منذ عقود وحرب إسبانيا نتاج ثقافي، وذخيرة روايات وصور في خدمة حجج وهويات سياسية راهنة. وفي مقدور المؤرخ، اليوم، في أعقاب ثمانين سنة على انفجارها تناولها من غير إدخالها تحت أبواب إجماع عليها. فهذه الحرب لم تكن حرباً في فصولها الأولى، وبقيت صفتها الأهلية معلقة قبل الجزم فيها، وهي لم تقتصر على إسبانيا، ولا يقع الباحث على نهايتها الى اليوم على رغم حصرها بين عامين: 1936 و1939.
ويعود الفصل الأول الى 17-18 تموز (يوليو) 1936. ففي تلك الليلة حاول بعض ضباط الجيش الإسباني، في جزر الكاناري أولاً، ثم في بعض المدن والثكن، إسقاط الوزارة المنبثقة عن الجبهة الشعبية واليسار المعتدل منذ فوز أحزابها المؤتلفة في انتخابات شباط (فبراير) 1936. وتواطأ على العصيان – وهو لم يكن انقلاباً تقليدياً تقوم به قيادة مركزية وتستولي بموجبه على مرافق حيوية- ضباط وسياسيون من انصار أسرة بوربون، أيدتهم إيطاليا الفاشستية علناً. وساندت العصيان منظمات فاشستية الميول كانت تحظى بتمويل بعض أصحاب الثروات الكبيرة وكبار ملاكي الريف والصناعيين.
ولم تجمع كتل المصالح هذه على أهداف مشتركة. فبعض العسكريين قصر حركته على جمهورية مستقرة. وسعى عسكريون آخرون في العودة الى نظام عسكري على غرار حكم ميغيل بريمو دي ريفيرا بين 1923 و1930. وراود فريقاً ثالثاً حلم بثورة قومية على المثال الفاشستي تحيي إسبانيا الخالدة، الكاثوليكية والامبراطورية. وتقدم هذا الخليط من الرغبات والإحباطات الخوف من الثورة العمالية والفلاحية. وظهر جلياً، في 19 تموز والأيام التالية فشل التمرد في استمالة الأنصار على فوق نصف الأراضي الإسبانية وفي معظم المدن (مدريد، برشلونة، بلباو، بلنسية، ملقة…). وأسفرت الجمهورية عن تماسك فاق توقع المتمردين.
وتعود نشأة الجمهورية الثانية الإسبانية الى ربيع 1931. واستلهم أصحابها خطة تحديثية طموحة، مثالها الجمهورية الفرنسية الثالثة وجمهورية فايمار الألمانية، وسائقها بناء دولة قادرة على بسط نفوذها وقوانينها على المدن والأرياف وعلى ضمان العدالة الاجتماعية، وتحفيز التقدم الاقتصادي وتوفير الخدمات العامة الضرورية في مضمار التعليم، أولاً. وتؤدي هذه المقدمات، في حسبان الجمهوريين، الى إرساء أسس مواطنة ديموقراطية مدنية، ودائرة علانية عامة ومشتركة تعددية تتولى التحكيم السياسي والسلمي في نزاعات المصالح من طريق المنافسة الانتخابية واستمالة الرأي العام. وينبغي أن تتعهد المؤسسات الفصل في الخلافات القومية والثقافية التي تتصدرها النزعات الاستقلالية الكاتالونية والباسك.
وسرعان ما شب نزاع حاد بين الأحزاب الجمهورية والاشتراكية التي تولت الحكم الى 1933، وبين القوى المحافظة المتغلغلة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وأدركت أحزاب يسار الوسط ضعف وسائل الدولة وقصورها عن فرض إرادتها السياسية على كبار الملاكين والأعيان المحليين. فمعظم موظفي الدولة هم من محاسيب الأعيان المحليين. والجهاز التنفيذي المنضبط الوحيد هو الحرس المدني (غوارديا ثيفيل)، جهاز الأمن شبه العسكري، اي الجندرمة الإسبانية التي كانت فظاظة معالجتها الأمنية تشعل الخلافات غالباً.
وفاقمت الأزمة الاقتصادية العالمية (الناشبة منذ 1929) آثار ضعف الدولة الإسبانية، والمخاوف السياسية والجماهيرية المتعاظمة في أوروبا كلها- وتصدرت النزاعات السياسية والاجتماعية المسرح السياسي، وبسطت أجنحتها عليه، وملأته بظلال المسخين المخيفين: الفاشية والشيوعية، وتوسلت بهما الى تسمية العدو السياسي. وحسِب العسكريون الانقلابيون في أول الأمر أن عصيانهم هو في مثابة عملية أمنية وتأديبية يتوجها تسلمهم الحكم والقضاء على المخلين بالأمن. وحمل فرض الأمن على عمل حربي لم يكن أمراً جديداً في إسبانيا. وآخر فصل من فصول هذا الفهم كان قمع إضراب عمال المناجم العام في أستورياس، في تشرين الأول (اوكتوبر) 1934. وأمرت بهذا القمع حكومة مدريد ذات الميل اليميني الصريح. وتولته قوات الفيلق الأجنبي في إمرة الجنرال فرانكو، وأعملت فيه عنف العمليات الحربية في المستعمرات. وقاد محاولةَ إسقاط الحكومة في 19 تموز الى الفشل التزامُ جزء من الجيش وقوات الأمن الانضباط، وقيادةُ المنظمات العمالية حركة جماهيرية عريضة التفت حول الحكومة على رغم تحفظ هذه المنظمات عن سياسة الحكومات الجمهورية. وهذا الالتفاف قرينة على رسوخ الثقافة الجمهورية في أوساط جماهير المدن منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وغداة المحاولة الفاشلة، ساد الاضطراب إسبانيا. فالسلطة الجمهورية بمدريد لم تتهاوَ، ولكن صمودها صوري، وفقدت سيطرتها على الإدارات والهيئات. فالأحزاب الجمهورية واليسارية الصغيرة التي عول رئيس الوزراء خيرال على مقاومتها الإنقلاب عجزت عن تعبئة الجماهير. وتصدت للانقلابيين المنظمات والاحزاب العمالية، وتقدمها الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) وحزب إسبانيا الشيوعي وحزب التوحيد الماركسي العمالي والنقابات، وعلى رأسها الاتحاد العام للشغيلة والكونفيديرالية الوطنية للشغل، وعلى الخصوص فروعها المحلية ومناضلوها. وفي الأيام الأخيرة من تموز (1936) لم تشهد إسبانيا حرباً، إلا ان انهيار الدولة واتى أو استدعى اجتياح موجة ثورية البلاد التي بقيت بمنأى من سيطرة الانقلابيين. وأعلن هؤلاء عزمهم على الحؤول دون ثورة زعموا انها وشيكة. وهم، حين اسقطوا بنيان دولة كان يقوم أولاً على الجيش والحرس المدني، مهدوا الطريق الى نشوب الثورة.
وفي اثناء الأسابيع الأولى التي تلت العصيان، سحق الجنرالات الانقلابيون، في مناطق سيطرتهم (قشتالة القديمة، الأندلس الغربية، بلاد كافار، غاليثيا، غرب أراغونة)، بؤر المقاومة التي تصدت لهم، وسعوا في توسيع مناطق سيطرتهم، على شاكلة فعل أسياد الحرب. وحيث أخفق العصيان، أي في العواصم السياسية والاقتصادية، شأن مدريد وبرشلونة وبلنسية وملقة، لم تكن الجمهورية أحسن حالاً. فالحكومة أعفت الجنود من واجب طاعتهم ضباطهم، وذلك في سبيل تطويق العصيان. وترتب على هذا الإعفاء انحلال وحدات عسكرية كثيرة، واختلاط أفرادها بجمهور العمال والفلاحين. وهؤلاء بدورهم، حملوا السلاح وهاجموا الثكن العسكرية. ولما لم تحرك الحكومة ساكناً ولا رداً على انهيار القوات المسلحة، تنادت المنظمات العمالية الى الانضواء في لجان تولت المراقبة على اجراءات السلامة العامة والاضطلاع ببعضها. فلم يبقَ ما يحول دون قيام الثورة.
وبعد هزيمة القائمين على النظام الاجتماعي، وامتلاك الفقراء السلاح، استولى من يفلح الأرض ويزرعها عليها فتحول الضامنون الى ملاكين، واقتسم المياومون الملكيات الكبيرة إما لحسابهم الفردي وإما لحساب هيئات جماعية. وشقت الثورة طريقها خلال آلاف من المبادرات. وتولت اللجان، في عهدة مناضلي المنظمات العمالية والفلاحية، إرساء المبادرات على رسوم متماسكة، وقامت منها مقام صيغتها السياسية. وانتشرت حكومات محلية حملت قسطاً من أعباء الحرب، على الجبهة وفي الخطوط الخلفية، ومن الأعباء الاقتصادية. فكانت جسم الثورة وصورتها في القرى والضيع. وفي كثير من دساكر كاتالونيا وأراغونة، في المشرق أو في الاندلس، نفخت ثقافة الحرّوية («ليبرتيريان»، او «ليبيرتير») التي نادت بها الكونفيديرالية الوطنية للشغل في الثورة روحاً طوباوية. وأممت الفروع النقابية، في العاصمة الكاتالونية وفي ضواحي المدن، قطاعات اقتصادية، وعسكرت الانتاج الصناعي في المصانع التي تركها أصحابها وهربوا.
وعمدت «الكونفيديرالية» الى إنشاء لجنة مركزية جمعت تحت إمرتها الميليشيات المناهضة للفاشية، في برشلونة، ثم في العواصم المحلية الأخرى. وتولت اللجنة مهمات التعبئة والتجنيد والتجهيز، وندبت الميليشيا الى استعادة سرقسطة من أيدي الانقلابيين، من غير أن تحل محل السلطة الإقليمية بكاتالونيا. وتعمدت «الكونفيديرالية» الأمر حفاظاً على طيب العلاقة بالأحزاب الأخرى، الاشتراكي والشيوعي، وبفرنسا وبريطانيا. وحين شكلت حكومة وطنية ضمت اليها وزراء فوضويين (من الكونفيديرالية)، حلت اللجنة المركزية نفسها. واضطلعت اللجان المحلية في المدن والأرياف بقيادة ميليشيات محلية تصدت للانقلابيين، وقامت بأعمال التموين وأدارت الانتاج في المصانع وحلت محل الإدارات المشلولة. وتخففت الأحزاب الجمهورية من شكلها، في أيلول (سبتمبر) 1936، مع تأليف حكومة جمعت القوى المناهضة للفاشية رأسها فرنثيسكو لارغو كاباييرو، وهو مناضل اشتراكي مجرب، فلم يبقَ خارج الحكومة، غداة تعديلها في تشرين الثاني (نومبر) ودخول الفوضويين، حزب واحد. وسعت الحكومة في جمع الميليشيات في جيش شعبي، وفي قيادة الحرب، معاً. والمهمة المزدوجة مستحيلة من غير نزع السلطة من اللجان المحلية، ومجابهة القوى السياسية التي ترعاها، مثل «الكونفيديرالية» وحزب التوحيد الماركسي وشطر من اتحاد الشغيلة، وتلك التي تميل الى الانفصال، شأن حكومة كاتالونيا. وأيدت العصيان الميليشيات الكاثوليكية المحافظة. وعلى رأسها منظمة فاشتسية صغيرة، الكتيبة ببلاد نافار. وسرعان ما تهافت انصار الضباط المتمردين على الكتيبة، فضمت عشرات آلاف المقاتلين المتطوعين خريف 1936. ولم يقتصر المتطوعون، على خلاف الجمهوريين، على كبار الملاكين والمطارنة والضباط. وهؤلاء أيدوا الكتيبة من غير شك، ودعوا ابناءهم الى الانخراط فيها. وبعض كبار الأثرياء، شأن خوان مارش، مولوا العصيان من غير تردد ولا تستر. ولكن مصدر الشطر الغالب هو صغار الملاكين الفقراء المؤمنين بتجسيدهم إسبانيا الخالدة التي يحاربها «الحمر». وشهدت انتخابات 1933 اصطفاف حزب كاثوليكي رفع لواء مواطنة طائفية على الضد من المواطنة الجمهورية التي أسقطت، في 1931، الملكية البوربونية.
ويدين فرنكو ببروزه على أقرانه الى قيادة الفيلق الأجنبي، والى علاقته الوثيقة ببطانة هتلر، مصدر تسليحه الأول. ومهد الطريق الى انفراده بالقيادة مقتل ضابطين كبيرين، الجنرال سانيوريو ومولا، أعلى منه رتبة، في تموز 1936 وحزيران (يونيو) 1937. فخلت الساحة له، ورقي الى رتبة عماد أول. وأقدم، في نيسان (أبريل) 1937، على دمج منظمات اليمين المتطرف وميليشياته كلها في الكتيبة، ونصبها حزباً أوحد ترأسه، وأسكت معارضيه ومنافسيه. وأشرف مباشرة، وأيدته الكنيسة في ذلك، على تأطير جماهير عمالية مناهضة للجبهة الشعبية. وجعل من الحرب «حرباً صليبية في سبيل الله والوطن». ونسق بين الجيش والإدارة والحزب الواحد وصغار الكهنة. وتولى المركز الفرنكوي التعبئة والقمع والمراقبة (الرصد). فأعدم 14 كاهناً من الباسك لتضامنهم مع «قومهم».
وترتب على ضعف الجيش الإسباني، وهو لم يخض الحرب الأولى تعثر مبادراته الأولى. ولكن إسراع هتلر الى اغاثته، في 25 تموز 1936، ولحاق موسوليني به، في 25 منه، أنقذاه من الهزيمة. فنقل سلاح الجو الأجنبي الى الأراضي الإسبانية. وبينما كان ليون بلوم، رئيس وزارة الجبهة الشعبية الفرنسية، يترجح بين التدخل وبين الإحجام عنه، أعلنت بريطانيا تحفظها الشديد عن سياسة الحكومة الإسبانية الشعبية. وحالت الحكومة البريطانية دون تسلح مدريد من السوق الحرة. ووقع الاتحاد السوفياتي وفرنسا وبريطانيا اتفاقية عدم التدخل في الحرب الإسبانية، في الأول من آب (أغسطس) 1936. ووقعت إيطاليا وألمانيا الاتفاقية، وضربا عرض الحائط بتوقيعيهما. وعاد الاتحاد السوفياتي، في خريف 1936، عن امتناعه. وحالت مساعدته العسكرية دون سقوط مدريد، بعد سقوط طليطلة (توليدو)، بيد فرنكو. فاشتبكت طائراته مع طائرات المحور، ونفخت في عزيمة الجمهوريين وصمودهم، وأوحت بالشعار المدوي: «لن يمروا» («نو باساران!»).
ولكن موسوليني أرسل جيشاً من المتطوعين بلغ عدد مقاتليه طوال الحرب 73 ألفاً، وأرسل هتلر فيلق كوندو الجوي، وهو صفوة سلاح الطيران الألماني، و19 الف رجل من المستشارين والمدربين. فوسع الجيش الإسباني خوض حرب استنزاف طويلة. وحين أمل الجمهوريون في ربط نزاعهم بنشأة جبهة عالمية ضد الفاشية والنازية، وقعت الديموقراطيات الغربية اتفاق ميونيخ، وانسحبت من مسرح المواجهة، وانفجرت الخلافات الدامية في معسكر الجمهوريين قبل انهيارهم.

