Pdf copy 1

مارك جيلبرت
أصبح من السهل تفهّم المشكلة الأساسية التي تواجه بريطانيا بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي، وهي تتلخص في التساؤل التالي: كيف تكبح الحركات التحررية لشعبها في وقت لا زالت ترتبط فيه بعلاقات تجارية حيوية مع أقرانها الأوروبيين؟ وهناك نقطتان أساسيتان تدعمان الموقف الحكومي في المجال التجاري. تكمن الأولى في أن الدول الأوروبية السبعة والعشرين، سوف تدرك عدم وجود أي مكاسب اقتصادية من إعاقة عمل ونشاط الشركات البريطانية. وتكمن الثانية في الاعتبار القائل بأنه حتى لو تدهورت البيئة التجارية بين الطرفين، فسوف تبقى أمام البضائع والخدمات البريطانية الكثير من المنافذ الأكثر انطواء على المكاسب خارج الاتحاد الأوروبي. ولكنني أرى أن كلاً من هذين الطرحين يفتقر إلى ما يؤيده.
ويمكن التعبير عن موقف وزراء حكومة «تيريزا ماي»، باختصار، بأنهم يرون أن الانسحاب البريطاني من الاتحاد يعني قبل أي شيء آخر استعادة السيادة الوطنية والتحكم بما يجري على الحدود، وبأن الاقتصاد سوف ينتعش عندما يخرج تماماً من دائرة السوق المنفردة لو تطلب الأمر. وتضم حكومة «ماي» مجموعة من أصحاب العقول النيّرة الميّالين لسلوك المناهج التكنوقراطية لبلوغ أهدافهم (فيما عدا استثناء وحيد وواضح يتعلق بوزير الخارجية بوريس جونسون الذي يلعب دور «مهرّج الصف»). ويبدو أن وزراء «ماي»، بمن فيهم وزير الدولة لشؤون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي «ديفيد دافيس» ووزير التجارة «ليام فوكس»، تجمعهم كلمة واحدة فيما يتعلق باهتمامهم باستكمال إجراءات الانسحاب بأكثر مما توقعت التقارير الصحفية.
وتكمن فكرة هؤلاء في أن المملكة المتحدة لا زالت تتمتع بحقوق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، وأن هذه الحقيقة لن تتغير إلا إذا قرر جيرانها الأوروبيون، فرض التعرفات والقيود الجمركية التي ستضر باقتصاداتهم ذاتها.
وتتجه المفوضية الأوروبية، استناداً إلى المبدأ الذي تتبعه للحفاظ على الذات، نحو معاقبة بريطانيا حتى تمنع الدول الأخرى من التردد في اتخاذ التدابير التي تضمن التئامها بشكل أقوى مع الاتحاد. لكن الوزراء البريطانيين متأكدون من أن أقرانهم في بقية حكومات دول الاتحاد سوف يتخذون قرارات أكثر ميلاً للبراغماتية فيما يتعلق بعقد مفاوضات حول الموضوع. ومما يؤيد هذا التوجه، الرغبة التي لا يجوز إغفالها لأسواق المال في باريس وفرانكفورت واللوكسمبورغ وغيرها، في المشاركة بالعوائد الكامنة في بورصة لندن.
ويُعتبر تشارلز غرانت، مدير مركز الإصلاح الأوروبي، واحداً من بين كثير من المحللين الذين يتخوفون مما يُشاع عن أن المملكة المتحدة تعمل الآن على تقوية دورها في «اللعبة الأوروبية». وهو الذي قال: «خلال زيارات متتابعة قمت بها لبرلين وبروكسل وباريس وبقية عواصم دول الاتحاد الأوروبي، هالني ما لاحظته من وحدة الرؤى وتجانس المقاربات في دول الاتحاد السبعة والعشرين لإطلاق مفاوضات جادة حول الانسحاب البريطاني. وهناك خوف حقيقي من أن يؤدي فوز بريطانيا بنوع من الوضع المتميّز إلى دفع البلدان الأخرى داخل وخارج الاتحاد الأوروبي، للمطالبة بعقد صفقة مشابهة. ومن شأن ذلك أن يقوّض الهياكل المؤسساتية القائمة الآن، والتي تتمسك بها المفوضية والبرلمان الأوروبي بقوة، وربما يؤدي حتى إلى انهيار الاتحاد برمته».
ولا تقتصر رباطة جأش الوزراء البريطانيين على عدم الاكتراث بفقد شراكتهم في السوق الأوروبية المنفردة، بل يبدو وكأنهم واثقون ثقة عمياء بأن ذلك يفتح أمام دولتهم الباب لأن تكتسب لقب «بريطانيا العالمية» Global Britain. وهي العبارة التي بدأت تتردد في منتدياتهم. وهم يرفضون الطرح القائل بأن المشاركة الأوروبية في الاقتصاد العالمي تتضاءل، ويأخذون بالرأي القائل بأن أسواقاً مثل الهند والبرازيل هي التي تستحق من المصدّرين الانصياع لإغراءاتها.
وبدا الوزراء البريطانيون مستعدين للاعتراف بأن تأكيد «ماي» على عدم نيتها الإفراط في الحديث عن السياسات المتبعة في هذا الشأن يعني أن أرباب الشركات سوف يشعرون بالحاجة الماسة لمعرفة تفاصيل الاستراتيجية التفاوضية التي تتبعها بريطانيا فيما يتعلق باستكمال إجراءات انسحابها من الاتحاد، وما هي التنازلات التي ستلتزم بها أو ترفضها خلال العملية التفاوضية التي ستطول لسنتين، والتي قالت عنها «ماي» إنها ستنطلق في نهاية شهر مارس المقبل. واكتفت في هذا الصدد بتوجيه رسالة إلى أرباب العمل والشركات تتألف من كلمتين: (ثقوا بنا).
وتقول مصادر الحكومة إن 89 بالمئة من الشركات البريطانية لا تصدر حتى سلعة واحدة. وأشار خبراء إلى أن العمل كله يتركز الآن على تغيير هذا الواقع. ويصرّ السياسيون البريطانيون على أن اجتماعاتهم مع أقطاب المجتمع الدولي عقب استفتاء الانسحاب أكدت بأنه لن يؤدي إلى نتائج عكسية على مواقف المستثمرين أو الشركات العالمية. وقال أحد الخبراء: «علينا أن ننتظر بضعة شهور أخرى حتى نتأكد مما إذا كان قرار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سوف يشجع الشركات العاملة في بريطانيا على اتخاذ القرار بسحب أموالها والهروب منها».
يريد أوباما خيارات في سورية، فتُعتبر هذه الخيارات ملحة بما أن المعاناة في حلب تزداد سوءاً، حيث قدّمت إدارة أوباما لبوتين سبيلاً إلى المضي قدماً يُعتبر من وجهة النظر الروسية انتصاراً تاماً، وإن طُبق هذا الاتفاق بالكامل فإنه يحول دون تغيير النظام في سورية (علماً أن هذا خط أحمر روسي بارز) في المستقبل القريب، ويعزز مكانة روسيا كقوة رئيسة في الشرق الأوسط، ويسهّل التعاون العسكري والاستخباراتي مع الولايات المتحدة في مواجهة المجموعات الإرهابية، ويحد من صراع مكلف جداً، ويحمي قاعدة روسيا في الشرق الأوسط.
رغم ذلك، رفضته روسيا، فلا يأبه بوتين بحجم المعاناة التي يسببها للأبرياء، وتقوم خطته على حماية عميله الأسد والترويج بالتالي لمصالح روسيا بالتحوّل إلى لاعب رئيس في سورية.
يريد أوباما السلام والخيارات، فيقول: “أتساءل: هل من مسألة لم نفكر فيها؟ هل من خطوة تتخطى ما يُقدَّم إليّ، خطوة ربما كانت ستخطر على بال تشرشل أو كان أيزنهاور ليتوصل إليها؟”.
نجح تشرشل في الحفاظ على تماسك بلاده أثناء الحرب، مع أن العدو كان يحاصر عاصمته باستمرار من الجو، وصمد تشرشل إلى أن دخلت الولايات المتحدة الحرب بحملة قادها أيرنهاور، ولا شك أن هذا الائتلاف الصعب، الذي تمكن أيزنهاور من تشكيله بصفته قائد الحلفاء الأعلى، أنقذ الحضارة الغربية من ظلمة لا توصف.
إذاً شكّل تشرشل وأيزنهاور شخصيتين نموذجيتين خلال ظروف حالكة، إلا أن أعمالهما العظيمة ارتكزت على فهم أساسي لإدارة الدولة، وبالتالي الأوجه الأكثر ظلمة من الطبيعة البشرية: لا يتبقى في بعض الحالات أي خيار غير القوة.
يدرك أوباما ما كان تشرشل وأيزنهاور سيختارانه، ويفتخر بقيامه بالنقيض تماماً، فقد أخبر الرئيس صحيفة “أتلانتيك” في شهر أبريل: “ثمة قواعد دقيقة على الرؤساء في واشنطن أن يتقيدوا بها. تُستمد هذه القواعد من مؤسسة السياسة الخارجية، وترسم ردود فعل محددة لتطورات مختلفة، علماً أن ردود الفعل هذه تتخذ عادةً منحى عسكرياً”.
تحرر أوباما من هذه القواعد عندما تراجع عن توجيه ضربات إلى الأسد بعد أن انتهك هذا الأخير خط أوباما الأحمر بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية. يعلن الرئيس الأميركي: “أفتخر جداً بهذه اللحظة”.
لكن المفارقة تكمن في أن هذه القواعد وُضعت خصوصاً لأشخاص مثل أوباما، ولا شك أن رجال الدولة، أمثال تشرشل وأيزنهاور، يدركون بحكم خبرتهم وحدسهم ما يجب القيام به لصون المصالح، وحماية الحلفاء، والحفاظ على المكانة الوطنية. إلا أن أوباما، بتحرره من حكمة وإرشاد تناقلتهما الأجيال على مر التاريخ، بدد كل خياراته باستثناء قدرة البيت الأبيض على إطلاق صيحات احتجاج عقيمة على الوحشية التي تشهدها حلب راهناً.

التعليقات معطلة