يحيى غرايبة
بين يدي قطعة ( مقطوعة ) شعرية وهي للشاعرة الاستاذه ليلى العربي .
من جمهورية مصر العربية وهي من الشعر الوجداني تعبر بها الشاعرة عن عواطفها الذاتية وأحاسيسها الوجدانية .
بدأتُ دراستي بتسميتها قطعة ( مقطوعة ) لأنها أربعة أبيات من الشعر العمودي الفصيح . تميزت بالبساطة ، ووحدة الشعور حيث عبرت عن تجربتها بإنفعال قوي كي تصف دقة شعورها بشكل موجز لأن المقطوعة لا تترك للشاعر وقت للاطناب والسرد والاحتفاء بإنفعالاتها كما يحدث لو كانت قصيدة مطولة . وحققت الشاعرة ما تريد بسهولة بعبارات واضحة مؤثرة .
نص المقطوعة
أَلِفْتُ الْحُزْنَ حَتَّىْ بِتُّ أَرْعَاْهُ
وَذُقْتُ الْيَأسَ مُرَّاً فِيْ ثَنَايَاهُ
حَبَسْتُ الْأَهَ فِيْ قَلْبِيْ أُعَلِّلُهَا
فَظَلَّتْ فِيْ حَنَايَا الْقَلْبِ تَهْوَاهُ
وَرُمْتُ الدَّمْعَة الْحَرَّى تداويني
فَفَاضتْ فِيْ رِدَاءِ الليل تَرْعَاهُ
شَكَوتُ الأنَّةَ الثَّكْلَى بِقَافِيتي
فَعَادَ الجُرْحُ مَفْتُوْنَاً بلَيْلَاهُ
المقطوعة مبنية على وحدة الفكرة ، نلاحظ أن الأبيات الأربعة تمثل وحدة فكرية واحدة تتجسد في وصف ( الحزن والألم ) والإستسلام لهما ، وتترابط المعاني من خلالها ترابطاً منطقياً حيث تبدأ الشاعرة معانيها بالحديث عن الحزن الذي ألفته ( وقد يكون فرض عليها ) بدايةً ؛ ومن ثم اعتادت عليه وتوالفت معه ثم أصبحت ترعاه والرعاية هنا تعني أنه أصبح ديدن حياتها ربما لأنه يذكرها بعزيز أو أعزاء لا تريد نسيانهم فأصبحت تعشق هذا الحزن وعبرت عن ذلك بقولها { ورمت الدمعة الحَرَّى } ودلالة ( رمت ) أي سعيت للدمعة ورام الشيء تمناه وسعى له . وهذا يدل أنها تعشق هذا الحزن وقسوته عليها رغم ما ذاقته من مرارة اليأس الذي كان نتاج هذا الحزن ، هذا ؛ ولم تذكر الشاعرة أسباب هذا الحزن والألم . وكان حظ تنوع الأفكار قليل لأنها استسلمت لعواطفها وانفعالاتها .
واختيار الشاعرة لكلماتها ساعدت كثيراً بتساوق العبادات بعفوية وتدفقت بيسر لا نحسُّ معه كداً في الفكرة ولا رغبة في التقصي ومفرداتها سائغة سهلة متداولة غير شاذة لا تقعر فيها ولا غرابة أو خشونة ، معروفة المعاني كثيرة الدلالات ، منتقاة بحكمة لتخدم الفكرة والوصف بدقة وهذا يدل على أن الشاعرة تلم إلماماً جيداً بدلالة الكلمات حسب معناها وحسب موقعها في الجُمَل ، وحسن اختيار الكلمة كان سبب واضح في قصر الجمل وجزالة التراكيب ، الذي أفاد في غلبة الإيجاز على الإطناب .
هذا ؛ والمقطوعة تكاد تخلو من المحسنات البديعية ، اللهم عدا الكناية وبعض الصور التي ساعدت الشاعرة في توصيف الحزن وتجسيد الأه والمعاناة وتذوق مرارة اليأس ، ولا أعرف إن كانت الشاعرة استخدمت التورية في عجز البيت الأخير ( مع أَني أرجح هذا ) عندما قالت : { فعاد الجرح مفتونا بليلاهُ } هل تقصد أن الجرح يعشق ليلى كرمز لكل محبوبه أم أنه يعشق ويفتتن بليلى الشاعرة نفسها . وإن كانت توريه تكون وفقت بحرافة وذكاء . وهذا يكون ذو خصوصية للشاعرة لأن اسمها ليلى .
كذلك نلاحظ أن اختيار القافية من الأمور البديعة التي وفقت الشاعرة في اختيارها فالألم والحزن الذي عاشته أثناء إبداع المقطوعة سببه عاطفة قوية صادقة جياشة ودليل ذلك تكرار الأه في المقطوعة ذات الأربعة أبيات ست مرات وفي السابعة قالت شكوت الأنَّةَ الثَّكْلَى .
والأه وظفتها بحرافة وخدمتها في الكثير ، منها:
أولاً : أدات التعبير الصوتي عن الألم والحزن هي { الأه } .
ثانياً : تكرارها في المقطوعة أعطت موسيقى داخلية تناسقت مع تكرارها في القافية ، فكان الجرس الخفي الشيق في متن المقطوعة .
ثالثاً : بذكاء شديد وعمق تجربة شَكَتِ الشاعرة من الأه باسلوب شيق جميل حيث قالت: شكوت الأنَّةَ الثَّكْلَى بِقَافِيتي ، والأنَّةَ هنا هي تدل على الأه التي هي القافية التي اختارتها أو فُرضت عليها لشدة الوجد والحزن والألم ومرارة اليأس .
هذا ؛ ولا يغيب عنا أن اختيار الشاعرة لبحر الهزج كان الإختيار موفقاً ، ليس فقط لتوفر العنصر الموسيقي فيه فهو يساعد على استيعاب المشاعر الحزينة التي تئن منها الشاعرة ، فهذه الوقفات الثلاث في تفعيلات كل شطر { مفاعيلن مفاعيلن مفاعيلن } تشبه إيقاع نبضات ضربات الصدور للمحزون يضاف إلى ذلك تكرار الأه في حشو المقطوعة وقافيتها الذي جعل إحساس المتلقي يشعر بالموسيقى الملائمة المتناغمة مع الانفعالات والعواطف وساعدت في تأجيج الموسيقى الداخلية .
ووفقت الشاعرة بمخارج الحروف حيث كانت متقاربة وأحياناً يكرر الحرف .
والمقطوعة بصورة عامة تمثل أثراً شعرياً رائعاً لأنها كانت تعبيراً عن معاناة شعورية { والله أعلم } وفقت الشاعرة في نقلها فنياً بصدق وحرارة وبأسلوب مطاوع { كأنها كانت تغرف من يَمِّ اللغة ولم تكن تحفر بصخرها } كما أن بعد الشاعرة عن التعمق لم يقدح في القيمة الفنية للمقطوعة التي توافرت لها أسباب الإجادة من صدق عاطفة ومن براعة أسلوب وذكاء شاعرة يقدر ويحترم .

