Pdf copy 1

صفاء خلف
يُجرب الشاعر العراقي عُمر الجفّال، في الكتاب الشعري الجديد “الحياة بنقالة متهالكة”، الحياة عبر ما تقدمه الكتابة من فسحة ومساحة للكائن المحاصر في بلاد وذاكرة يقتسمها السلاح والدم والنزوح، ففيما يفرُ من حياته اليومية بوصفه صحافياً، الى الشعر كممارسة انسانية يتيمة، تجده يتداخل بين حياة كائنين منقسمين على عزلة يريدها الشعر ويوميات الكائن الذي يقيم في الصراعات اليومية والاخبار والدم الطافح من الشاشات والبيانات الرسمية.
تجيء هذه التجربة الجديدة في الكتابة لعمر الجفّال بعد تجربته الشعرية الاولى (خيانات السيدة حياة) التي اصدرتها له دار تكوين/ دمشق، إثر فوزه بجائزتها الاولى للشعراء الشباب عام 2009. وفي التجربتين نجد أن الجفّال متورط بـ”الحياة” مرة بالخيانة، ومرة بعد ان تمزقها الحروب فيحاول انقاذها على “نقالة متهالكة”، ففي المجموعة الأولى حاول ان يكتشف مرارة خيانة الحياة بأن يجد نفسه منفياً وهو صبيٌ ما زالت ذاكرته متخمة بمكانات الطفولة وصورة المدينة العاصمة (بغداد) وهي تغرر بطفل، لينتقل الى عاصمة اخرى (دمشق)، فنجده ينقسم بين ذاكرة عاصمتين تختلفان في ثقافتيهما الاجتماعية، والهموم الذاتية فيكتشف ان للحياة خيانات اكبر من تلك الخيانات التي غادرها في بغداد، وفي التجربة الثانية، تجيء المصادفة بأن يهاجر الجفّال يوم خروج كتابه الثاني من المطبعة ببغداد، وكأن “الحياة” تلد نفسها اكثر من مرة لديه، فهو يصف نفسه في كتابه الجديد “مريضُ بالحياة ولا شفاء”.
يصدر الكتاب الشعري الجديد للجفّال، عن دار مخطوطات في هولندا، بطبعتين اوروبية ومحلية في الآن نفسه وباللغة العربية، وتقع في 80 صفحة من القطع المتوسط، بتحرير فني وتخطيطات الفنان التشكيلي والشاعر ناصر مؤنس، صاحب دار النشر ذاتها.
يُخرج الجفّال كتابه الشعري، كنصٍ طويلٍ يتوزع ما بين الكتابة والنثر، موظفاً تقنيات النص المفتوح والكتابة الحرة كطريقة ادائية لإيصال المناخات ومشاعر اللحظات الحرجة، وحكايات واستذكارات وسرد، فيما يجيء النثر ليكون الطاقة الحسيّة العالية المكثفة التي تخرج من مرجل الكتابة، فنجد ان الجمل النثرية والشعرية تحمل النص الى منطقة ابعد من التأويل المحدود لليومي الذي تنقله الكتابة وتزاحم الصور والاماكن والمخيلة التي تنتج تبريرات للبقاء على “الحياة”.
(تكرر الحكاية نفسها -على مسامعك- تنفصل عن نفسك وتتحدث عن اثنين في جسدك)
يستعرض الشاعر في الكتابة “الحياة” بوصفها مغامرة محفوفة بمخاطر ان تعيش فيها وحيداً مرة، ومنقسماً مرات، وما بين انقسام وآخر تظهر شخوص تنتمي الى الكائن نفسه، يتعرف عليها من خلال التجربة او “سنوات عاطلة عن الحاضر” في “غرفة قطار لا يتوقف”! ودون هذه التجربة وتلك، يبث الشاعر صورة المعاش الصعب كأنه قدر لم تخلق تميمة حظه بعد (بينما نحدق في موتنا القادم من بعيد، نتخيّل مصائره، فيما نربت على الامل عسى ان يتعثر حتفه).
“الحياة بنقالة متهالكة” احتجاج غاضب على الحياة، فالجفّال يعبر عن رفضه لكل الحيوات التي عاشها منقسماً، وذكريات يتقاسمها مع الاصدقاء، وميتات غير متحققة حاول عبرها ان يصل الى الضفة الاخرى التي ربما تكون فيها “حياة” قادرة على سرد حكاية اكثر لطفاً من حكايته التي يسقط منها الامل كهامش.
(وما المسيرُ في الحكايةِ؟ الحائطُ مُوارَبٌ في انتظارِ جَسَدِ الهواء، ضوءٌ يَجْفِلُ من حَراكِك، الأثاثُ يُصدِرُ صريرَ الملَل، كائنُ الخوفِ يثِبُ في  المكانِ كلِّه، ما الذي تَغيَّرَ لِتُفكِّرَ في حكايتِكَ الآن؟ أنتَ ابنُ اهتزازٍ وليلةٍ سريعةٍ في انطفائها، اِمضِ كأنَّكَ تُنَفِّذُ الحكاية). 

التعليقات معطلة