Pdf copy 1

        فؤاد حسون
خرج يوم الجمعة نشطا يروم شراء مجموعة إصدارات تراثية، واندس يسير بين جموع شارع المتنبي ببدلته السوداء، حشد غرائب، مثقفون، محبو مطالعة كنب لايام زمان، وبين لحظة واخرى، يسترجع الكثير من  الاسرار والكثير من المسكوت عنه..
قلم هاني متحرك  في كل الأوقات، لذا كان في إمكانه  خوض الشعر وكتابة المقالة والبحوث، وهذا ما جعله يدرك ان قلمه وجه أدبي ليس ككل الوجوه ويتحف القاريء بمقومات الابداع في ميدان الأدب.. أربعون عاما قضاها في شراء الكتب من راتبه قبل تقاعده ، وحطت به إقدامه في نقابة الصحفيين بوظيفة مسؤول متابعة .. 
الكل عرف  عن هاني نزاهته وتمشية أمور الصحفيين والمراجعين على حد سواء، هي مسيرته الذاتية التي التزم بها أمام نفسه وكل ما يوحي تواضعه من الاف  الى الياء، ومن يسأل حروف الجر ، ان الاخرين يأنسون بما يسكب الاحترام لهم بسلطان حديثه .. هذا ما دفع رياح صديقه المشرح لخوض معركة الانتخابات البرلمانية القادمة ليرسم هاني بجهوده في مأراثون الدعاية .. 
كان صاحبة منتشيا يعانق نجمة الفوز.. الفائز يعلم ان هاني رتب مشقة فوزه بمسافات اتقن فيها فن الدعاية يمينا وشمالا : يجوب المناطق بوهج مشاعر المواطنين في تقبل مرشحه ..
مع الخطوة الأولى وجد صاحبه كرسيا في مكان أحلامه .. كانت تلك شرارة الإمساك بجذوة المصلحة وعشق سلطانها ، حيث ترسخ عشقه للمنفعة وبصمة “طمطملي واطمطملك”.. تجول بخاطره الأفكار فيسرجها بلهفة التحليق واللحاق بقافلة الوجوه الثعلبية وكراسيهم تحمل الكثير من الأسرار التجارية ، لا يجيد الحق ، ماذا تفعل ذاته إزاء الآخرين ، ريح يدوي داخله ، ليستجيب للجيب في ربح بلا نهاية ، وليس بإمكانه أن ينجو من تأثيرات من أعيد انتخابهم .
يجلس تحت قبة البرلمان هادئا عله يدخل ضيفا ، متفرجا في نعماء حلمه، يلتقط نفسا ويذوب في ظل لسانه المغيب في غربة على سطح الواقع .. ها هو تعب يعود الى بيته المسور بالحراس والكونكريت بعد اكتمال فهرس اجتماع تكسير اضلع القوانين .. 
بالمقابل الأرض ترتفع بما كسب هاني من تميز في عيون الناس الذين اكتشفوا تفاصيل وضعه التاج فوق رأس صاحبه وقد مسته العيون ، دقيقة دقيقة .. كما نبشوا ما وراءها بعدساتهم المكبرة لالتقاط المزيد من السير والاسرار معا..
في احد الأيام زار هاني صديقه الذي رحب بقدومه ، متقنا صنعة اسكنه صدره عند حدود شغاف القلب .. داهم هاني الضحك من كثرة المجاملات التي اغدقها صديقه في لحظة المواجهة..
وظف هاني لسانه كقلمة الناقد قائلا :
ـ الركائز الكونكريتية حول بيتكم تصدر الهواء النقي ..
نسج النائب رده بمزج ألوان كلماته بفرشاة الاستحقاق..
ـ سأنتقل الى احد قصور المنطقة الخضراء لاتفرغ لبناء ارضي الواقعة على نهر دجلة الخير.
قال هاني غامزا :
ـ انا لا أضع نفسي حاسدا ، ومبخرتي على رؤوسكم وما جاء فؤاد مشاعركم به نحو الجهات الأربعة واحدها في عرصات  ارض نوح وكل ربحي مواكبة حياة الناس التي استحالت أجسادهم رمادا ولا يتنفسون الأوكسجين الذي تتنفسونه وينامون على خطابات تجيد الكذب وتسرق صوت الحرية في وجع انهال من كل حدب وصوب .. 
هنا بدأت ملامح الانزعاج والتوتر تظهر على خطوط وجهه، فقال مقاطعا :
ـ لا تسترسل متجاوزا “ انتم المثقفون أصحاب السنه مدهونة بالنقد ، وصدق ما قاله المحافظ انه لا يحب معشر الفنانين والمثقفين”.
جفلت اذنا هاني  من المفاجأة في لحظة الانفعال ،قال:
ـ كنت اطمح ان ارشد إقدامك ترسم لنا وطنا سعيدا بشكل شهادة خدمات استثنائية تقتلع جذور بشاعة تجاهل الظواهر المدانة لتروي عطشى المهمشين في الحكمة وأبوابها .. لكنك لا تريد مواجهة موجات المحاصصة العاتية والتي ذهبت بالبياض وحل بعد ذلك  السواد ..
أراد النائب ان يسكته بإشارة من يده، لكن هاني استمر في الكلام :
ـ كان طموحي يسعى إليك بطاقة فكرية ترشدك التفريق بين الضاد.. والضاء .. 
هنا .. احتد النائب مرتجفا، ينتفض مقاطعا واقفا، وقال كمن استعاد مهابته النيابية معلنا : الزيارة انتهت ..!
رحل هاني في رحلة تتصارع فيها الأضداد .. عاد هاني الى بيته القريب من ساحة الإعلانات ، فمر بقرب رجل وقد سمع نشيده الحزين مع إحدى الصور..
 التفت هاني نحوه وقال له بعد لحظة صمت قصيرة هازئا:
ـ “لا يأخذ بيدك إلى الجنة يا أخي .. لأنه بعيدا عنك لا يسمعك..؟ “

التعليقات معطلة