هندة العكرمي
تضعنا المسالة المدروسة أمام عديد القضايا لعل أولها قضية المصطلح الذي يكتسي دلالة مخصوصة بوصفه علامة على النصوص الشعرية الجديدة التي جاءت تشق دروبا مستعصية من البحث و ظلت متمردة على قوانين القصيدة القديمة و معمارها، مدفوعة دفعا إلى التجريب و اختبار طرق جديدة في تصريف الكلام و صناعة الرمز، محملة بهواجس المرحلة التاريخية و لظى السؤال ، محكومة بالبحث عن رؤية مخصوصة تحكم الوجود الجمعية و تحدد الهوية في مواجهة الآخر و تعددت المصطلحات الدالة على هذه التجربة فبعضهم يستعمل مصطلح “الشعر الحر” هذا المصطلح الذي استعمله نازك الملائكة و قد سبقها إليه “أبو شادي” و الشعر الحر حسب نازك “ظاهرة عروضية قبل كل شيء” يقوم على تكرار تفعيلة يختلف استعمالها من سطر إلى آخر و من جملة شعرية إلى أخرى و تصل نازك البنية الإيقاعية بالدلالات الاجتماعية مبررة في الأثناء نزوع هذا اللون من الشعر إلى الواقعية و الهروب من الأجواء الرومانسية بما يحمله في دواخله من تمرد على سلطة النموذج و بحثا مستمرا على الاستقلالية فالشاعر “يرغب أن يستقل و يبدع لنفسه شيئا يستوجبه من حاجات العصر، يريد أن يكف عن أن يكون تابعا لامرئ القيس و المتنبي و المعري” (نازك الملائكة قضايا الشعر المعاصر) . و هذا بالتحديد ما اكتشفناه في ديوان للأمنيات بقايا للأستاذ عامر الساعدي و هو ما دفعنا فعلا إلى القول علنا ما أحوج المهنة الشعرية إلى تناولها بالاهتمام و الدرس و أن نبحث في القوانين المنظمة لها عن أسباب و غايات التشريع و التبليغ و أن نستشرف المستقبل لإحاطتها بإطار قانوني أفضل حتى يمكن تطويرها و جعلها مواكبة للعصر. و حتى تحقق النفع منها لأصحابها و المتعاملين معها تلك غاية يسعى إليها كل شاعر ذاق من مرارة الواقع و لا سيما الأستاذ الساعدي الذي اعتبر أن القصيدة الحديثة ليست مجرد شكل من أشكال التعبير إنما هي أيضا شكلا من أشكال الوجود و إن أردنا أن نقرا هذه المصطلحات بحس نقدي أمكننا أن نميز مثلا بين المعاصرة و الحداثة إذ أن المعاصرة مفهوم زمني بالأساس لا يحمل تأسيسا مفهوميا أو تحديدا معرفيا ابستيميا و في إطار المعاصرة يمكن أن تستمر الأشكال التقليدية و في مقابل هذا ترتبط كلمة حديث برؤية الحداثة بوصفها مفهوما ظهر بفعل المثاقفة و عكس التحولات في الفكر و السياسة و الإبداع و أنتج مجتمعا جديدا و وعيا مخصوصا بالذات بل إن هذا المفهوم كان موصولا في الغرب بالتقدم العلمي.
و في هذا المستوى من البحث الدقيق لتحديد هوية شعر الساعدي تجدنا أمام السؤال:” هل شعر عامر الساعدي حديث”؟
هذا ما سنكشف عنه من خلال تناولنا لديوانه “للأمنيات بقايا” بالشرح و النقد و التحليل في إطار التركيز على الرمزية في النص النثري باعتباره شعرا حرا. و في أول لقاء بقصائد الساعدي نجده قبل كل شيء و من حيث التجربة و أشكال التعبير مختلف عما سبقه لا مؤتلف معه و عليه بهذا المعنى أن يكون شاهد عصرنا و المعبر الحقيقي ن التجربة العربية الحديثة فيفتح الهاوية في كل مكان عن طريق التقصي و الاستفسار و كأن الاستخبار و الاستفسار قوته الوحيدة لكشف المستور عن القديم في اتجاه الحديث في عناوين مفجعة، مفزعة “تحت القبور……..موائد” أو شفاه تغني حزنا، أحواس الموت، و غيرها من الهاويات الصالحات إن صح التعبير لان هذه الهاويات باب الرمز و القصيدة ففي هذا النتاج الشعري الحديث تركيز على الرمز بل في استعماله كثير مما يدافع عن الرمز فهو يكاد أن يكون في معظم هذا النتاج لا مجرد تسمية أو مجرد إشارة تاريخية أو مجرد لفظ بل ينقلها الرمز هنا بعيدا عن تخوم القصيدة، بعيدا عن نصها المباشر فهو يتيح لنا أن نتأمل شيئا آخر وراء النص و لا أذل على ذلك من قوله في قصيدة “الأمنية” نوافذ الشباك و هل للشباب نوافذ؟ أو في قوله في قصيدة “أماه ماذا بعد؟” بريئا من لعنة اللون، سأموت دون مبرر و هل للون لعنة؟ و غيرها من الرموز و التشخيصات على سبيل الذكر لا الحصر هذا الرمز دليل قبل كل شيء على معنى خفي و إيحاء، انه اللغة التي تبدأ حين ينتهي لغة القصيدة، أو هو القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة انه الرق الذي يتيح للوعي أن يستكشف عالما لا حدود له، لذلك هو إضافة للوجود المعتم و اندفاع صوب الجوهر و كأنه يقول بطريقة غير مباشرة إن تمكين المتلقي أو الآخر من اكتساب القدرة على التفكير بدقة لا يكفي. بل لا بد أن يقترن شرح الحقائق و النظريات بالواقع المعاش بذلك يمكن تنمية القدرات الإبداعية و استشارة اهتمامهم بان تدعهم يبحثون بأنفسهم ما يتعين عليهم تعلمه من أفكار و كفايات علمية في واقع مرير. و هو يدعو إلى تربية متصلة بالحياة و المجتمع لكي يعرف الجيل الناشئ على واقع الحياة و هموم ذلك المجتمع الفعلية ديوان فيه نقلة التفكير من إطار المجردات إلى إطار المشخص و هو بهذا يبعد المتلقي عن الالتجاء إلى عوالم وهمية و تجعله اقدر على قبول المجتمع و فهمه من اجل تطويره و تغييره تغييرا علميا عقلانيا و بهذا يكون الساعدي داعية إلى الثورة و لا أدل على ذلك من قصيدته “أغنية بطعم الأرق” أو قصيدة “ملامح بلون الخريف” فالتقصي فيها “كيف اخلع أعواما من الفجر؟” “ما بال الريح تعوي”. يخزن الثورة في جوفه لأنها بطبيعتها في حاجة دائمة إلى إعادة النظر في خطواتها إلى التجدد لكي لا تجمد في المؤسسات و المنجزات و تصير ماضيا لذلك نجد الساعدي يجدد الدعوة بقوة نقدية خلاقة فيها رمزية و تشخيص عميق تمنحها بعدا جديدا أو تدخل إليها دفعة جديدة فالثورة عند الساعدي لا تتجدد إلا بالإبداع و الحرية و التساؤل و البحث و التقصي و التخطي. تخطى حدود المعهود-ليصبح الشعر الذي يبدأ دائما محرك، يثير، يوحي، فالشاعر تحديدا هنا ثائر، و لا يقدر الشاعر أن يكون إلا مع التغير الخطير لان الثورة منذ أن تندلع و تصبح نظاما تصبح سياسة و السياسة قد تقبل كل شيء في كل لحظة و في كل معنى على أنها تعني بالعمل في حين و حسب الساعدي يعنى الشعر بالكشف و التعرية. تعرية حقائق موجعة و تهديم الأطر الجامدة و التطلع إلى الاستقلالية و الحرية إلى مجال أرحب إلى الحلم و الرؤيا الثاقبة في التطبيق وجود صحيحا حرا فيما يعاني الشاعر من وجود معرقل مقيد بوجود لم يبدأ أصلا في بعض الأحيان فيحلم أن يوحد الثورة بالحرية التي تحرك الواقع و تغيره و التي تتخطى عناصرها ذاتها “اسمع حديث الشياطين يتهامسون على مكيدة كبرى” “و الليل يتحول خلسة ليضع بطاقات الدعوة لعرس مؤجل” هذه هي البروليتاريا و الدولة و قيم التاريخ البالية و الطبقية و المثاقفة الهزلة الى رؤيا حياة بلا طبقات و لا دولة حيث تنتهي سيطرة الانسان على الانسانية و تسود اخلاق الحرية و المسؤولية الشخصية بدلا من اخلاق السلطة و العقاب المفروض و يصير الشعر عند الساعدي عملا آخر و العمل شعرا آخر شعر الحركة و التغيير، شعر الواقع الشامل الذي يفتت عنصرنا الميت من اجل ان يولد عصر جديد آخر.

