حاوره / قاسم وداي الربيعي
أول مرة شاهدتُ فيها الشاعر ماجد الربيعي حينما كان يلقى قصيدة له حتى ضجة القاعة بالبكاء . منذ ذلك الوقت أصبح ماجد الربيعي لا يفارقني ..يكتب قصيدة العمود والتفعيلة والنثر . لكن الصفة التي ترافقه والتي تميزه عن الآخرين أنه يكتب هموم الإنسان بكلِ تفاصيلها . والربيعي ماجد لا يكاد يكلمك حتى تمتلئ عيونه بالدمع . عاش في أحياء مدينة الثورة صباه وهناك قرأ كثيرا وكتب كثيرا ويبدو أن أزقة الثورة وما رافقها من فقدان الأعزاء صارت سمة الحزن لا تفارقه أبدا .. حين جلست معه ذات مساء كلمني وهو موكب للجمال والأدب الحقيقي وكان يحمل هموم الثقافة العراقية وما تعرضت له بعد غياب الرقيب والطبع العشوائي ..فكان للمستقبل العراقي هذا الحوار
_ البداية والمشروع الشعري
بدأتُ مع أول ترنيمةِ ( دللّول ) عشقتها حين كانت ترددها أمي مع تنهيدات الحزن بصوتها الشجي حين كانت تحاكي الموت الذي أحدثَ ضجّةً في حياتِها حينما سلبها حياة أبي الذي تركني مع اليتمِ أعيشُ طفولةً بائِسةً . كانت تغني حزنها بأنينٍ جنوبي عذبٍ ممزوجٍ بالدموعِ وإيقاعات أل ( نواعي ) السومرية في أعذبِ محاكاةٍ وعتابٍ مع الموتِ وهي تضعني بحضنِها الدفيء وتردد أسمي مع كلِّ آهةٍ تخرجُ مع أنينها ، فكان ذلك الإيقاعَ الأوَّلَ والحزنَ الأوَّلَ الذي أدمنتُهُ إلى الآنَ . أما المشروع الشعري ، فالشعرُ رسالة نبيلة تحمل في طياتها هموم الإنسان وتدعو لإحلال السلام والمحبة بين الناس ، ونتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى كل القلوب من أجل الإنسان .
عرفتك تكتب منذ الثمانينات فيكف ترى مشهدنا الثقافي اليوم ؟
المشهد الثقافي يشوبه التذبذب والتخبط وعدم وضوح المعالم بسبب كثرة أدعياء الثقافة وولوج البعض في مفاصل لا علاقة لهم بها ومحاولة الظهور والتسلق من لا شيء بسبب غياب الرقابة الحكومية من قبل المؤسسات المسئولة عن الثقافة وعدم تفعيل قانون الرقابة والنشر ، وضياع حقوق المثقف العراقي سواء كان شاعرا أو أديبا أو فنانا او كاتبا .
وزارة الثقافة العراقية لا علاقة لها بالثقافة لا من بعيد ولا من قريب وهناك هوّة كبيرة بينها وبين المثقف العراقي بسبب الإهمال المتعمد في السياسات المتبعة ، وأغلب النشاطات الثقافية التي تقام الآن هي بجهود ذاتية وترعاها مؤسسات غير حكومية فهناك المقاهي الأدبية والمجالس الثقافية الخاصة ،
أنت حين تكتب الحزن الذي يسكنك تنتزع الكلمات من جراحك . تكتب وكأنك محنة حقيقية _ أستاذ ماجد كلمني بكل صراحة ..ما سبب هذا ؟
الإنسان وظلم الإنسان ومحنة الإنسان ، ورثنا حزن النايات من سومر القصب فتأصل الأنين في كل تفاصيلنا ، مع ثدي أمي رضعت حشرجات الألم حين كانت ترددها بصوتها الجنوبي العذب وهي تعاتب الموت الذي أخذ أبي مبكرا ولم نلحق أن ننهل منه ، اليتم المبكر ألبسني عباءة الحزن ، بويتات الطين من حولي كانت تزدحم بالحزن في مدينة الفقراء التي آوتنا حيث دفعنا ضريبة حروب مجنونة ، حرية الطبع وكثرة المنتج دون رقابه , كيف ترى ذلك ؟
للأسف أن البعض استسهل عملية الطبع دون رقابة ودون حتى تنقيح أو تصحيح لغوي لما يطبع ، وبإمكان أي شخص أن ينشر ويطبع ما يشاء ، فالمطابع الأهلية همها الربح المادي فقط ولا تعير اهتماما لغير ذلك ، والبعض للأسف صدق نفسه بأنه شاعر أو روائي أو قاص نتيجة ثورة ( الفيس بوك ) التي أحدثت ارتباكا في المشهد الثقافي رغم فضلها الكبير في التعريف بالمثقف الحقيقي .
العشرات من الكتب تطبع يوميا لمدعي الثقافة ونجد فيها لغة ركيكة وتفاهات وأخطاء لغوية ونحوية كثيرة مما يسيء إلى سمعة المثقف العراقي الحقيقي .
لمن يكتب ماجد الربيعي والرسائل التي كتبت زمن الصبا أثخنها الشيب ….لمن يخاطب ماجد ..وهل هناك من يقرأ ؟
عندما أتوهج ويكتظ بي وجع المعاناة أشعر أن مساحة الورقة تضيق ولا تسعني فيما أنزف ، الإنسان همي الأول في وطنٍ يئن ّفأكتب له ، وأكتب للوطن ، لأمي ، للشهداء ، للمرأة ، ورسائلي الأولى كانت وما تزال للحبيبة التي توقد فيَّ جذوة العشق فيكون التوهّج ، وما زالت تأخذ مساحة واسعة في رسائلي التي لم يلجمها الشيب فيقرؤها من حولي ويعبر صداها بعيداً في مساحات الوطن العربي الكبير فيصل صوتي وهذه هي رسالتي .
النقد والنقاد والدراسات النقدية …بصورة عامه كيف ترى المشهد النقدي ؟
كنّا جلّ ما نخشاه هو النقد والناقد فنتحفظ ونتأنّى كثيرا في النشر ، فالناقد هو مرآة ما نكتب وننشر ، الناقد كان واعيا وملماً بكل الأدوات التي يستخدمها الشاعر في بناء القصيدة ولديه ثقافة عالية تشمل اللغة والخيال وبحور الشعر والصور الشعرية والمفردات إضافة إلى اطلاعه الواسع على تاريخ الأدب العربي والعالمي ومعرفته الواسعة في كل صنوف الأدب وكل الرموز الأدبية وتاريخها ، وإلّا ما كان ناقدا ، الناقد صفة لا ينالها كل من هب ودب ولكن البعض استسهل الأمر فراح يسرق مقالات نقدية لنقاد كبار وينسبها لنفسه.
مرة قرأت نص أمام الجميع … فبكى من كان في القاعة ..هل تصطنع ذلك أم أنك شاعر ألبسه الزقاق حزنا أبديا ؟
الحزن صديقي الأزلي الذي لازمني مذ لبسَتهُ أمي حينما غادرنا أبي إلى الموت فكان اليتم الذي علمني البكاء .
أنا لا اصطنع البكاء كي أثير عاطفة من حولي أبداً ، أعيش مع حروفي في الإلقاء وأعيش لحظة كتابتها والحالة التي اعبر عنها فأكون صادقا جداً لأنني لا أصمد امام وجع السيد العراق ، ولا أستطيع حبس دموعي في حضرة الشهداء ، نعم بكيت وأبكيت القاعة فقد كنت أقرأ للأطفال الشهداء في مشهدِ عشت لحظاته حقيقة مع أشلائهم المبعثرة في تفجير قذر لمتنزهِ لهم .
ربما لأنني أدمنت الرثائيات ، فكيف لا أبكي وأنا أودع أمي وداعا أبديا ، أو شقيقي ، أو اجلس على حافة رصيفٍ في سوق ( عريبة ) كان قد اصطبغ بدماء الشهداء ، أو أشعِلُ شموعاً في مكان الشهداء في الكرادة وأقرأ لهم قصيدة ؟
المرأة التي شغلت الشعراء كيف كانت في تجربة ماجد الربيعي ؟
المرأة هي الوطن والملاذ وهي من يمسح دموعي ومن يحتوي حزني وهمي ، المرأة العالم الرائع الذي نحاول إرضائه كي ننال جنتنا ، كتبت لأمي وهي المرأة الاولى التي عشقتها ، وكتبت لسلمى المعشوقة وما زلت أكتب ، لا يكون شاعرا من لا يكتب غزلاً او وجداناً ويتغنى بالمرأة ، هي الخصب والحياة وسر السعادة فيها ، من نحن بدون حواء الوطن ؟
لمن يميل الربيعي ماجد حين يكتب النص الشعري ..تفعيلة عمود نثر …ولماذا ؟
المساحات تختلف ، فأجد نفسي أحيانا أكثر عطاء مع القصيدة العمودية رغم قيودها لكنها تثبت قدرتي وشاعريتي أكثر وأتفاعل مع إيقاعها الذي يسهل علي أدائي أثناء الإلقاء ، وأحيانا تأتي التفعيلة دون تخطيط مسبق فأجدني قد كتبت وأفرغت مشاعري على مساحة الورق ، أما النثر فهو رسائل اكتبها واستمتع عندما اعيد قراءتها وأقرؤها لمن حولي وكثيرا ما أخذَت تلك الرسائل حزني وخالطت دموعي .
ما هي مشاريعك القادمة وأنت الذي تعمل بهدوء ؟
مشروعي قائم بالتعاون مع زملائي الشعراء واخص بالذكر منهم الشاعر عادل الغرابي والشاعر حيدر المعتوق ، فنحن أسسنا تجمع شعري قبل أكثر من ثلاث سنوات أسميناه ( مجوعة شعراء المتنبي ) ومن خلاله نقيم جلساتنا الشعرية في المركز الثقافي وفي الكثير من المنتديات الثقافية والمقاهي الأدبية ومن حولنا الشعراء الحقيقيين ونحتضن الإبداع والمبدعين من الشباب ونعطي دروس في العروض.

