عباس باني المالكي
أكثر اقترابا من وعينا لكي يحدث التقارب مع رموز اللاوعي حيث تتحول اللغة إلى رموز وبناء لكل المدارك الذهنية عند لحظة كتابة الموضوع الشعري للنص،ويستمر الشاعر بتحدد أوجه الحياة حين تكون غير ملائمة في عيش الإنسان لأنها بعيدة عن الشروط الإنسانية الحقيقية ، ويطرح في هذا النص ما المعنى من وجوده في الحياة وهي تضيق عليه كل شيء ، و تصبح لا شرعية في حياته لأنها لا تتوفر فيها القيم الحقيقية ،ويستمر الشاعر بطرح أزمات الإنسان بكل أبعادها الإنسانية بشكل تصاعدي أدرامي إلى حد تتسع المعاني وتأخذ شكلها الدلالي في المعنى الذي يبين فيها حجم ضياع الإنسان حين تكون الحياة التي يعيشها بعيدة عن ما يريد أن يعيش كإنسان وبعيدة عن أحلامه وتهمشه وتضيق عليه حريته . فبقدر ما طرح هذا في نصه السابق ، يطرح في نصه هذا ، حين تكون الحياة ضيقة لا يستطيع أن يعيش فيها بحرية وتؤدي إلى استلاب حياته وضياعها خارج القيم الحقيقية التي يريد تكون في منهجية حياته (أسراب هوس تحلق /فوق الريح / أشواك رحم /تنمو في خاصرة الضيق / يختنق الليل / يجهض الحلم قبل أن تغمض العين /الملاذات كلها منكوبة /حالة طوارئ / غادرتها الفضاءات / لعدم رحابة التيه /يكدح القلق) كل هذا يدعوه إلى الثورة ضد كل من يحاول أن يسيطر على حياته , ويسيرها حسب مزاجه ورؤاه التي هي بعيدة عن أهداف الحياة الحقيقية ، ولا يسمح له أن يعيش كما يود أن يعيش ويحاول أن يضيق عليه ويهمش حياته كإنسان فيتطاير الشر ويحرق الخريف ويثور ضد كل هؤلاء (شرر يتطاير يحرق الخريف /يتشتت الصقيع يضيع /متشبث برغبة فك الارتباط /غادر الرحيل ) الشاعر يبني نصوصه على تحكم بالمعنى الذي يعطي التأويل الدلالي وفق مقارباتها التناظرية لفكرته التي بني عليها النص ،أي أنه لا يراكم الجمل الشعرية بقدر ما يجعل هذه الجمل تتناسل داخل المعنى وتمتزج مع بعضها لتخلق المعنى بشكل انسيابي ، كما لا يجعل المعاني تزدحم داخل النص بحيث تفقد بؤرتها المركزية لفكرته التي يسعى إلى أثباتها وهذا ما يمنح النص إيقاع وتجانس وتناظر مع الدلالة التي يريد أن يوصله إلى القارئ …
نص (مهد ) ص 99
(مكبلة يد الريح /. الطواحين أضحت تسأم الركون /صداع يكتنف الوجع / المهد يتوسده العقم / ينشطر الضحى / يختل توازن الضياء /تعربد الذكريات بغضاضة الانتقام / لا يبرح الدخان الأسود /يبقى كراية حداد / ينعي تلك الوجوه التي مرت / مرور السحاب / إلى متى تستغفل العاطفة؟ /تنقاد / نحو الهاوية /طريق ينعق به الفراغ / أقفاص من ظل تحاصر الرؤى /والدموع تخدش الحياء )
بعد أن أشر الدلالات التي تبين الجوانب الكثيرة من الحياة ، فبعد أن عمق الدلالة في الحياة حين تكون العيش فيها دون القيم الحقيقة ، التي يعيش فيها الإنسان بحاله غير شريعة ، أستمر يؤشر حالات التي يعيشها الإنسان ومنها فقد الحرية في حياته الاجتماعية . أستطاع الشاعر أن يوحد البؤرة النصية داخل نصوص المجموعة ، ويجعلها تتناسل بشكل أفقي لكي يطرح كل ما يراه في الحياة، حين تكون ضد الإنسان إلى حد تفقده حريته ، وأستطاع أن يبني النصوص الانبثاقية التي تسلسل المعنى في مسيرة الحياة الإنسان ،ليشكل سلسلة من المرئيات الصورية في بؤرة التحسس الذهني لمدارك الحياة التي تبعد الإنسان عن حقه في الحياة ، وفي هذا النص تنبثق التصور في أحداث على كل ما مر به من مشاهد بصرية ،ليعلن الثورة على كل هذا المراحل التي مر عليها وجعل من سيرة الحدث المعبر عن كل حالاته ، وقد حقق الدلالات دون أن يتدخل في صيغتها بقدر ما ينقلها بطريقة جمعها وفق تسلسل سيرته الذاتية ، حيث حدد ما في ذاكرته وجعلها حرة في النمو والتسلسل ، وحسب تصوره الفكري المرتبط بحالاته الباطنية لكي يعيد صياغتها وفق نسيجه الشعري ، ليثبت التأويل الدلالي حسب منهجية رؤاه وتحسسه للمرئيات حوله ، وبعد كل هذا يحد أهداف الثورة على كل ما يسلب حياة الإنسان وفق معناه ومخيلته الرؤيوية ،و يحدث الانتقام ضد من يكبل ويسبب الوجع ، حتى ينتشر السأم ويختل التوازن، لهذا تأتي الثورة من أجل تغير الحياة باتجاه تحقيق آمال الإنسان وعادة حياته الحقيقية (مكبلة يد الريح /. الطواحين أضحت تسأم الركون /صداع يكتنف الوجع / المهد يتوسده العقم / ينشطر الضحى / يختل توازن الضياء /تعربد الذكريات بغضاضة الانتقام) ولكي تغير كل حالات الاستغفال والدخان الأسود الذي يسيطر على الحياة ، ما يجعل الأسود يسيطر عليها كريات ، و تتحول الطرق إلى ناعق بالفراغ للحياة من قيمها ، وتحاصر الفكر والرؤيا ، فلا يبقى سوى دموع تخدش الحياة ، لهذا يجب أن تحدث الثورة ويحدث التغير (لا يبرح الدخان الأسود /يبقى كراية حداد / ينعي تلك الوجوه التي مرت / مرور السحاب / إلى متى تستغفل العاطفة؟ /تنقاد / نحو الهاوية /طريق ينعق به الفراغ / أقفاص من ظل تحاصر الرؤى /والدموع تخدش الحياء ) وأستطاع الشاعر أن يجعل من سيرته الذاتية البؤرة التي تسلسل الحدث حسب رؤاه و تناميها ضمن أفقها المعنوي من خلال استخدام الإيحاء الرمزي واستخدام الأنزياحات التكوينية ، لكي حقق التأويل الدلالي ضمن فكرته ، وربط الشاعر جميع نصوصه ببؤرة خفيه تتطور وتتصاعد حسب الحالة التي يعيشها وقد أستطاع أن يحقق المعنى الجمعي لكافة النصوص المجموعة في حلم في ذاكرة ، لأنه لم يحدد هذه الذاكرة وقد حقق حالات الحلم التي تؤرخ سيرة الإنسان في الحياة والأسباب التي تؤدي إلى إخفاقها في كل هذه المسيرة .

