Pdf copy 1

     عباس باني المالكي 
ونشعر أن النص لدية بقدر  التشظى الدلالي يجتمع بالمعنى   الواحد في الثيمة التي يريد أن يكونها في  كل نصوصه، و يسمى الأشياء بأسمائها ،  ومن ثم يعيد تكوين نسقها الدلالي  حسب نسق  مسمياته  ، وهذا ما يجعل نصوصه متوهجة  لا تخفت  في نهايتها بل تتطور وتتكاثف اتجاه   فكرة النص ويفعلها    بالإشارة  المعنوية   التي تقارب التأويل  في تكوين النص ، فبعد أن أشار إلى   الليل الذي يكون شديد أسود،  والذي أشار  إليه من خلال  التواصل الدلالي من تخمته  بفقد النجوم  ، إلى حد تنعدم  الرؤيا  فيه ولكي يؤكد   أنه لم يفقد الحياة  من خلال  دلالة الأصوات التي يسمعها ، وقد  يشير هنا إلى غرفة المعتقل حيث لا ثقب في  سقفها  وشديدة   السواد وتنعدم الحياة فيها  إلى حد  فقدان الرؤيا ولا شيء يشير  أنه مازال حي إلا الأصوات ، ولهذا يشعر بأسلاك  الفقد قد تكون  أسلاك التعذيب  ، والإشارة هنا إلى  جذع جدار  السنوات  العارية لأنه تذكره بتواريخ  الجمر أي التعذيب   ، ولم يبق في ذاكرته إلا سنوات   التعذيب  ،لهذا يبقى ماسك بالحجر  النابض وهي أشارة حيه إلى إصراره  على الحياة  (من ليلٍ أُتخِمَ بفقدِ النجومِ /حدَّ العَطب ِ /لا ثقبَ في سقفِ الغرفةِ /لا غصنَ يدخلُ ليشيرَ إليَّ /أسمعُ آلافَ الأصوات ِ /تتزاحمُ كالنَّملِ على وجهي : / هوَ ذا … هوَ ذا /اصعدُ جذعَ جدارِ السنواتِ العارية ِ،/إلّا من أسلاكِ الفقدِ /واهبطُ ثانيةً /بيَديَّ الحجرُ النابض ُ ، /يُذكّرُني ، /بتَواريخِ الجمرِ … )ويحاول  هنا أن يبن قدرة الإنسان على التمسك بالحياة رغم ما يلاقي من اضطهاد  ، لهذا يصعد جذع الجدار للسنوات   العارية من المعنى ، و يتمسك بالقيم التي ينتمي   إليها مهما كانت الظروف حوله ، ويبقى ماسك الحجر النابض ، رغم أنه يذكره بتواريخ  الجمر لأنه جزء من حياته ، لبين مقدار  اعتزازه   بحياته وتمسكه  بها..
 ص92 نص (شَجرةُ الأشواكِ)
(الأشواكُ التي …/نبتتْ على هامتِكَ /أحنتْ رؤوسَها /لتوغلَ فيكَ /خناجر َظمأٍ /وأنتَ تمنحُها جسدَك /خُبزاً /أيَّها الجليلُ /رأسُك /مثقلٌ بنبالِهم …/وعيناكَ ترنُوانِ /إلى السَّماءِ /وصغارُكَ الثاوون /في الرِمالِ /تسحقُهم حوافرُ الرثاءِ …/انفض رداءَك /تمتلئُ الأرضُ حولَك /حَدَقَاتِ ذئابٍ / ألقِ عصاكَ /ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارة َ/في عينِ بئرِك /كلَّ مَن … …/تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ )
الشاعر هنا يتخذ من  المعنى المتغير للشجرة كي يعيد  تكوين  فكرة الرؤيا ،  التي تمد تصوره الإدراكي  والانفعالي من أجل ينمو  النص لديه ، وفق تجاذب  المعنى  المتغير وحسب إحساساته   الوجودية لكي يقارب الاستعارة ، وحسب انزياح الرموز  التي تشير إلى المعاني الداخلية  التكوينية لفكرته ، من أجل بناء النص وحسب الترابط  الرؤيا  وتوحدها ، لكي يحقق البؤرة المركزية  الاستدلالية  التي تعطي إلى المعنى  الإيحائي بُعد توهجي يتصاعد  حسب نمو  النص  وأتساع   الرؤيا فيه ، وأستخدم   الأشواك  كبعد دلالي   لكي يبين حجم  الوجع والوخز  الذي يسبب الألم ، وهذا لا يستدعي   الانحناء  والركون  لهذا الألم  لأنها مهما  تكون سوف تنحني لقوة وصلابة  الإنسان من الداخل  وعدم قدرتها على هزيمته ، مهما  توغلت فيه، وهو يريد أن يعطي  الدالة التي تحكم مدى الإنسان الذي لا ينهزم ويبقى متمسكا بأيمانه ، قد بني  فعل الإشارة  إلى هذه   الأيمان  من خلال العيون  التي ترنوا إلى الأسماء، و لا يمكن  أن ينهزم الإنسان وهو متمسك بأيمانه وقدرته   على تحمل كل الخناجر التي تطعنه (الأشواكُ التي …/نبتتْ على هامتِكَ /أحنتْ رؤوسَها /لتوغلَ فيكَ /خناجر َظمأٍ /وأنتَ تمنحُها جسدَك /خُبزاً /أيَّها الجليلُ /رأسُك /مثقلٌ بنبالِهم …/وعيناكَ ترنُوانِ /إلى السَّماءِ) وفي نفس الوقت  يؤكد أن كل هؤلاء   الذين يحاولن  أن يحققوا نصرهم من خلال هزيمة الإنسان هم من يهزموا ، مهما كانت نبالهم تثقل رأسه ، ومن  أجل أن يغير فكره الذي ينتمي  إليه  ، وهذا الأفق الدلالي الذي يشير إليه هو أن الإنسان   الثابت في أيمانه وفكره لا يمكن  أن يهزم،و عليه أن يصر  على ما يؤمن  به ، ، لأن مهما كانوا سوف ينكشفون ويعرف من حاول أن يؤذيه وسوف يعرف من ألقى الحجارة في عيون بئره  (وصغارُكَ الثاوون /في الرِمالِ /تسحقُهم حوافرُ الرثاءِ …/انفض رداءَك /تمتلئُ الأرضُ حولَك /حَدَقَاتِ ذئابٍ / ألقِ عصاكَ /ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارة َ/في عينِ بئرِك /كلَّ مَن … …/تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ) وسوف يبقى ثابت   رغم  أنهم  سيحاولون أن يصدونه عن أيمانه ، ويستمرون بالكذب  والافتراء عليه (تلقف ما يأفكون) أي  سوف يعلم ويعرف  كذبهم  وما يحاولن أن  يصدوه  عن  الحقيقة التي ينتمي  إليها  ، ويبقى  ثابتا رغم كل  هذا  لأن في النهاية هو من  ينتصر عليهم وتمتلئ الأرض حوله ويربح  النهاية حيث يلقي  عصاه .
الشاعر سعد  أستطاع  أن  يكون الرمز من خلال التدرج بنمو  المعاني  التي تحقق  الاستعارة  الفهمية التكوينية ،فبقدر ما موجود  من تشظي  المعاني  داخل  جوهرية النص، ويجمعها باتجاه البؤرة المركزية  لكي تبقى نصوص متوهجه ومؤثرة  على القارئ ، لأنه بقدر يدعم  هذه  النصوص بحسه  العاطفي   الانفعالي الرؤيوي  ، يمزجها  مع  فكرته  الدلالية  ضمن تأمله الباطني في قيمة المسميات  واقترابها من مسمياته ، أي أنه  لا  يتجاوز على الواقع بقدر ما يعيد  أكتشافه من  أجل أعادة صياغة  معناه   لكي يرتقي    به إلى معنى حركة الحياة   الحقيقة، و لا يبني  نصوصه وفق تراكم الجمل بقدر ما يجعلها  تتناسل مع بعضها  ، لكي تبقى محافظة على توحدها العضوي ضمن فكرته ،  وعلى أسس قابليتها على  التأمل والتخيل لكي يحقق التراسل بين نصه والقارئ  .

التعليقات معطلة