د. أمل محمد الأسدي
على جناح الشوق يُحمل النهار وهو مبتسم ، وترقص ساعاته فرحاً وهي تثور على الواقع المرير الذي نعيشه ، وتعلن أن لا خلاص من هذا الواقع إلا عن طريق المحبة والجمال، هكذا هي الكلمة الشعرية في معجم الشاعر مؤيد عبد الزهرة ، إذ يضج معجمه حيوية وحياة ويتفجر أملاً.
إن المطلع على الديوان يجد أن النصوص تتوزع مابين الغزل والتغني بجمال الحبيبة ، ومابين الرفض لواقع المجتمع وما يمر به العراق في هذه الآونة وفِي كل الأحوال يقدم الديوان “ المحبة والجمال” طريقاً للتغيير ومفتاحاً للأمل فتارة يصرح الشاعر بذلك ويعلن رفضه للقبح والتشوه وتارة يرمز الى الجمال عن طريق المرأة ووجودها المحبوب وهكذا يدعو الى واقع بديل فيمتع المتلقي بشعره ويؤنس روحه العطشى ، وهذه هي وظيفة الشعر والشعراء.
إن لغة الشاعر سهلةٌ ورقيقة وشفافة ولاحواجز بينها وبين المتلقي ، فهي تنفذ الى أعماقه مباشرة ولعل هذه الحداثة هي مطلب عصري وآني يحتاجه المتلقي في ظل هذه الحياة المعقدة المليئة بالمنغصات.
أما ما يميز الديوان فهو الهندسة الصوتية التي تكاد أن تكون ظاهرة شعرية على صعيد العمل كله، فالشاعر اعتنى بالموسيقى الداخلية التي جعلت النصوص ذات طابع نغمي وإيقاع موسيقي خاص جسده عن طريق مجموعة من الخصائص الأسلوبية كـ( الجناس والانسجام الصوتي والتكرار اللفظي والتقابل) ومن ذلك في ص٦٤
الحب ليس مقامرة أو مغامرة
ولا تسويق مشاعر
هو هندسة الروح للوجود
تآلفا وائتلافا حقيقيا
فالجناس بين ( المقامرة والمغامرة) شكل بنية صوتية قصدية أراد الشاعر في غضونها أن يرسخ في ذهن المتلقي رفضه للحب الذي يخضع للمصالح الشخصية النفعية أو الحب اللاحقيقي الذي يكون مجرد لحظات عابرة أو نزوة أو مغامرة ، فالحب هو الوجود الأكيد الذي يكون فيه الإنسان إنساناً بما تحمله هذه الكلمة من معنى.
وفِي موضع آخر نجده يوظف الانسجام الصوتي المؤثر كما في ص ٦٦
قال… أحبك بحجم الكون
سماواته ومجراته
كواكبه…محيطاته
فصوت ( الكاف) الشديد وتكراره في النص بيّن قوة الحب ومدى صدقه وسموه الى الحد الذي أدهش الحبيبة وجعل عينيها تفيض دمعاً.
وفِي نصوص أخرى نراه يوظف التكرار اللفظي كما في ص ١٤
ألم تعانق تراتيلك صلاتي
ألم شهقة أنفاسي
تعانق أنفاسك
أنت سر خلاصي
وأنا سر خلاصك
إذ إن تكرار ( تعانق، أنفاس، سر، خلاص) أوحى صوتياً بمدى قرب الحبيب من النفس ، فهو مفتاح الأنفاس وسر النجاة ولا مفر من تلك الحقيقة المصيرية التي ربطت بين الحبيبين.
وكذلك نجد الشاعر يوظف التقابل في سياقات عديدة ليقدم نصوصا محملة بالدلالة ، تحرك المتلقي وتستفز مخيلته ، وتثير عاطفته ليستشعر الجمال والمحبة ومن ذلك في ص ٦٢
حين تبتسم تمنح
الوجود بركاته
وحين تحزن
يغير النهر مجراه
فهذه صورة متقابلة بين ابتسامة الحبيبة التي تجعل الحياة مشرقة ، مباركة، متجددة ، ممتعة، وبين صورة الحبيبة حين تحزن فيعم القحط والمِحال، وتجدب الأرض الخصبة ، فبحزنها يغير النهر مجراه ويلملم خيره الى وجهة أخرى.
أما من حيث الدلالة فيجد القارئ أن الديوان زاخر بالاستعارات المكنية القائمة على التشخيص، وبأسلوب ممتع حداثوي يجذب المتلقي ويأخذ مداه في التأثير النفسي والعقلي ومن ذلك في ص١٠٤
لعل شذا الرياحين يرتديني
قبل أن تأكلني
تجاعيد الخراب
وايضا في ص ١٢٤
لعنة تحجز مقعدها
لتوائم عصر
النهب.. القتل
الكذب..الحرائق
الصداقات التافهة
وهكذا على صعيد النصوص كلها نجد الدعوة الى التفاؤل وتغيير الواقع القائم على رفض الآخر ، والدعوة الى إشاعة المحبة والجمال ، هي مبتغى الشاعر وهدفه الذي يسعى إليه ، والذي أوصله الى المتلقي الذي يعاني من العطش لمفاهيم المحبة والحرمان منها، أوصله على جناح الشوق المفعم بالأمل ، كانت هذه قراءة ممتعة في سماء الشاعر مؤيد عبد الزهرة المليئة بطيور الشوق والحنين.

