عادل الهلالي
عندما تختلط الأحداث و تتشابك الأصوات المرعبة , لا يُسمعُ منها غير الضجيج .. أصواتاً مخيفة , مخيفة جداً , يهرب , يهرب من كل شيء .. ينظر الى زوجته الشاحبة الوجه , و الى اطفاله بملابسهم الممزقة يضاجعون الارض الباردة في هذه الليلة الشتائية الرطبة و في غفوة اعينهم ملامح مرهقة جدا , و في بطونهم برد شتاء قارص , فيشعر بالإغماء .. يحس بمصارينه تتقطع و تتسابق الى فمه مع جرعة كل كأس يحتسيها .. كره كل شيء .. حتى لونه الاسود .. كره التسكع في الشوارع و التجوال بين ازقة السوق القديم باحثا عن عمل أو لقمة يسكت بها الجوع الذي يعتصر امعاءه .. يبحث .. والبحث كاللعنة .. و اللعنة كالموت في بلد اللصوص .. بلد الخوف و الإرهاب حيث تدوي المفخخات كل يوم و في كل وقت .. وقت الآذان .. وقت العمل .. وقت الغداء .. وقت احتساء الخمر .. وقت المضاجعة .. فتراه وحيدا يتمايل مرتجفا يبحث عن الخلاص , لم يعد قادرا على تحمل الجوع و الفقر و متابعة الحياة مع مسلسل الموت اليومي الذي يسري في البلد كما تسري النار في الموقد .. التوابيت لا تجف و لم تعد الى مكانها في صحن الجامع , بل اصبحت تُركن في الشارع بجوار الجامع في انتظار مَن يصيبه الدور .. اصبح الموت حدثاً عادياً .. كان يشعر بالاختناق و المدينة من حوله تغلي , تتأجج من الداخل كالبركان الصامت لا يلبث ان يقذف حمماً قاتلة .. ايُ حياة تعيسة يعيشها هو و كل الفقراء و الكسبة في البلد .. منذ طفولته اصطحبه والده و لم يكن يتخطى السادسة من عمره , عمل مع عمال البناء , الرجال يحملون الطابوق و الاسمنت و هو يسقيهم الماء ثم انضم اليهم قبل ان يشتد عوده بعد اختفاء والدة , فكان اصغرهم , تيبس وجهه قبل الاوان , حفرت فيه الشمس اخاديد لتجعل منها استراحات لأشعتها الملتهبة , سلبت من عينيه بريقهما , تقوس ظهره بحكم عادة نقل الطابوق على ألظهر و عندما يتوقف عمل البناء في موسم الشتاء يشتغل حمالا في سوق المدينة التجاري , كل الحمالين و أصحاب المحلات التجارية يعرفون صمته و قلة كلامه و صبره .. يلقي على ظهره المنحني الحمل و يمضي حسب انحناءة ظهره تحت وطأة الحمل , و عندما ينتهي يمد يده ليقبض الاجر دون ان ينظر اليه او يعرف قيمته قانعا مهما يكن الاجر قليلا , لا يثير الجدل مع دافع الاجر و لا يطلب المزيد كما يفعل غيره من الحمالين , لم تكن له تطلعات , لا يعنيه ان يحلم او يعيش بأمل او له مستقبل .. لم يكترث لمثل هذه الامور كل همه ان يحصل على لقمة هذا اليوم ليسكت جوع اطفاله .. يتفحص الوجوه العابرة في السوق , يتفحص وجوه زملائه الحمالين يتمنى ان يشعر بالسعادة مثلهم عندما يتمازحون و يضحكون رغم تعب النهار و الضجيج و الفوضى التي تسود السوق , احيانا يلقي التحية على بعض منهم فيسمع ايقاعات اصواتهم دون ان يتحدثوا اليه ..
— يعمل من اجل شرب الخمر فقط ..
— لم اسمعه يتكلم ..
— قد يكون من ارباب السوابق في العمل السياسي وعنده عقدة الكلام ..
فتعلو ابتسامة ساخرة على شفتيه و تسقط دموعه الى داخل قلبه و وجوده .. فيجلس في ركن من اركان السوق ينتظر مَن يطلبه لحمل ثقيل , يتفحص الوجوه , يدخن , يرتعد و يختض كل جسمه عندما يرى شرطي يلبس الخاكي , حيث يتذكر كيف جاءوا الى والده في الوقت الذي حددوه ليلا و اخذوه الى المكان الذي يريدونه دون ان يكون له حتى ادنى حرية في التعبير عن الخوف او الاندهاش ومن يومها لا يعرف مصير ابوه .. صوت انفجار يهز اركان السوق .. هنا و هناك .. جثث و جرحى و صراخ و عويل , داهمه الخوف و الحزن , شعر بشيء ما يقرص معدته , بصق على الارض و غادر السوق متوجها الى بيته و المدينة تغط في سبات عميق و بينما هو في الطريق يسمع صوت المذيع يصرخ من المذياع .. ليس هناك قلق على المواطن فالأمن مستتب رغم انفجار العبوة التي زرعها اعداء الحياة .. تنافر عجيب غريب بين الشكل و المضمون .. بين الشعارات التي يطرحونها و وسائل التطبيق .. الافكار تتزاحم في رأسه و تشكل صراعا لا ينتهي في عقله .. كيف تحول المواطن الى بضاعة مستهلكة ؟ و الى متى سيبقى لعبة مسلية ؟ و عند خروجه من السوق شعر بيد حديدية تمسك كتفه , وصوت يهمس بأذنه بان يمضي معه في صمت .. لم يستجيب للأمر هذه المرة .. صرخ بأعلى صوته و في عينيه صورا قديمة لذكريات و عذابات قديمة منذ ان نشا طفلا و هو يحمل اعباء السنين على كتفيه .. صرخ .. انا هنا لم اعد املك غير موتي .. صرخ مرة واحدة و لم يسمعها ثانية .. ترددت الاخبار بين اهل المنطقة بان الرجل ترك اطفاله و زوجته وهاجر الى الخارج , بينما اصر البعض على عدم تصديق الرواية , لكن السلطة دائما لها رأي اخر , فضابط التحقيق الذي حضر الى مكان الحادث يصر على وجوب وجود شهود و إلا فان القضية ستقيد ضد مجهول

