حسن المغربي
مدير تحرير مجلة رؤى
طالما كان يحلم بأن يصبح ذا مكانة مرموقة في المجتمع رغم قصر قامته وشكله الهزيل، لقد كان على علم بكل الأشياء، إنه شاعر ومحلل سياسي، ولاعب ورق ماهر، كما إنه يستطيع الحديث عن الأدب والفلسفة والتاريخ، وفي كل مرة يفاجئ الأصدقاء بأفكار جديدة وأخبارطازجة بدأ من مسابقةركوب الخيل إلى أحوالالبورصة وحوادث الطائرات، كان كل من يعرفه جيدا يظن بأنه منهمكطول الوقت في مطالعةالكتب وتتبع أخبار العالم على الإنترنت، حيث كان أهل الحي الذي يعيش فيه يتهامسون فيما بينهم: من أين له كل هذا الوقت؟
لكن، في المقابل، هناك من يسخر منه باعتباره متعدد المواهب، حيث أطلق عليه بعض الناس ألقابا كثيرة منها (الفسواي) وهو تعبير شعبي مجهول الأصل، ربما يعني كثير الكلام أو ما شابه ذلك، وعلى الرغم من مظهره القبيح وملامحه الساذجة، إلا أن طبيعته كانت عنيدة وجبارة، فقد كان ينظر إلى نفسه بكبرياء لا حد له،فهو يستقبل الشتائم والإهانات بوجهٍ أكثر برودةً من عجيزة صائد سمك، ويقول في نفسه دائما: الاستنكار والاضطهاد أشياء ليست غريبة على العظماء من أمثالي!
ذات يوم وهو جالس في صالون الأصدقاء- مقهى في وسط المدينة يرتاده عدد كبير من الشعراء والمثقفين- حاول الحديث عن تطور العلم،حيث أعلن أمام الملا أن التقنية العلمية التي وصل إليها العالم في جميع فروع المعرفة لم تكن سوى سلسلة من الصدف، وأخذ يسرد البراهين بصوت رخيم كما لو أنه سقراط،ومن ضمن الآراء المتطرفة التي صرح بها: بأن العقل البشري يمكنه أن يدرك أسرار الوجود، وأن الصلاة لا تغير حكم السماء،ونحن البشر جنس هجين لم يكتمل نموه، وربما يعود أصلنا إلى سلالة السلاحف، ثم تنبأ بانتهاء العالم على طريقة دانتي، وعقب خطابه الذي استغرق ساعتين ونصف الساعة تقريبا، علق أحدهم (وهو من أصدقائه القدماء) على كلامه قائلا: أيها الأصدقاء لا بد من مواجهة الحقيقة، نعم العلم يستطيع تفسير الكثير من الحقائق ! ينبغي الوثوق بالعقل والتفكير العلمي، علينا البحث عن الحقائق بأدوات أخرى، حتى لو كانت بدائية تتوسل إلى أعمال السحر والشعوذة، وكما هو معتاد أخذ الحاضرون يضحكون، ثم انتهت الجلسة بقهقهةوهزل كما لو أنهم في مسرحية (تلميذ الشيطان) لبرنارد شو، وعند منتصف الليل غادر الجميع في حالة من البهجة واللامبالاة، أما (الفسواي) فقد ظل يُحاور صاحبه في الموضوع نفسه حتىطردهما صاحب المقهىمثلما يحدث في كل ليلة.
بعد عدة أيام، ظهر الفسواي في برنامج (حوار صريح) على التلفزة المحلية، ومن سوء الطالع كان اصدقاؤه في المقهى يستمعون إليه.. ففي بداية الحلقة كان النقاش يبدو عاديا، أسئلة روتينية عن دور الثقافة في تقدم المجتمعات وتخلفها، ثم احتدم الحوار بصورة فجة حينما صرح الفسواي بأن الارتباط بالتراث هو السبب الرئيس في تخلف المجتمعات الإسلامية، قذفها دون مقدمة أو استهلال كما لو أنه من الشخصيات المسؤولة في البلاد، وما إن طلب منه المذيع أن يوضح ماذا يعنى بالتراث تحديدا، حتى انطلق كالسهم في مهاجمة الدولة ورجال الدين وشيوخ القبائل، ثم أعلن صراحة بأنالارتباط القبليوالواجبات الاجتماعية هما ضرب من الهمجية تخلص منه المجتمع الإنساني حينما انتقل من طور البدائية إلى الحداثة، وظل الفسواي يتكلم بصوت جهوري عن عصر الأنوار وما نتج عنه من ثورة صناعية كبرى،ومن ضمن الأشياء الغريبة التي قالها: يجب على المجتمعات العربية التخلص من كتب التراث بما فيها كتب التاريخ والأدب والفقه، لأن هذه النفايات (بحسب تعبيره) هي السبب الأساس في تأخر العرب، ثم ختم حديثه بالنزوع إلى الفردية مثلما فعل الأوربيون في عصر النهضة.. وعند الثلث الأخير تقريبا من نهاية البرنامج قاطعه المذيع وعلى وجهه علامات الغضب :
-ضيفي الفاضل:كلامكم يسعى إلى تحطيم القواعد الأخلاقية بالمجتمع العربي، ذلك الإطار العام الذي عمل الإسلام على توطيده من خلال القرآن الكريم والسنة الشريفة، فهل أنت مسلم متدين؟
-أجاب الفسواي : وما علاقة الإسلام بموضوع الحلقة؟
-لالالا شيء ! ظننتك قرأني فحسب.
-نعم !نحنالعرب أكثر ما نحسن هو اختراع الأسماء، خاصة إذا كانت تتعلق بالإدانة أو أي شيء من هذا القبيل.
-ماذا تقصد؟ أوضح أكثر من فضلك؟
-في عصور الإسلام الأولى كان دعاة التطور (المعارضون) يتهمون بالزندقة أو الكفر أو الإلحاد وهي مصطلحات تجاوزها التأريخ، وبالتالي، أصبح من المقرر، والحالة هذه، إيجاد تعبيرات أكثر حداثة من تلك، فظهرت علينا مصطلحات من قبيل، علماني، ليبيرالي، شيوعي، وأخيرا قرأني. فهل أنا حقا قرأني؟
وفي نهاية البرنامج، انفجر المستمعون في (مقهى الأصدقاء) من الضحك، وأخذوا يرددون على طريقة أبطال (هنريك إبسن) آه.. يجب تغيير الأوضاع على أية حال والتبشير بالإنسان الفسواي.

