دراسة نقدية / يوسف عبود جويعد
في التحليل النصي , للنصوص الشعرية (الفرحُ يرسم قصائدي) للشاعر عدنان جمعة , تبرز في هواجسنا مشاعر جمّة حول البنية النصية المستخدمة في اعداد النص , حيث نجد ملامح واضحة لشخصية العاشق في تلك النصوص وهو يتغير وفق الثيمة التي يتناولها الشاعر, وحسب وحدة الموضوع والرؤية الشعرية , وهذا يتيح للشاعر فرصة كبيرة ليقدم لنا اشكال متنوعة من تلك العلاقة , اللقاء بالحبيبة, والفرح الغامر الذي يجتاحه وهو يتغزل بجمالها وطلعتها البهية, وبشعرها وظفائرها , ووجهها , وجسدها , ونهداها , وحلاوة صوتها الناعم , ثم ننتقل الى لون آخر من حالات العشق وهو الوله والاشتياق الى رؤية المحبوبة , فتنحى النصوص الشعرية الى تلك الحالة لتعبر عن مدى اشتياق العاشق لإنثاه الحبيبة, وانتقالة اخرى لهذا العاشق وهو يشعر بالضياع والتيه والانكسارات النفسية المتوالية بسبب فقدانه لمحبوبته وضياعها والبحث عنها , كذلك نصوص شعرية تأخذنا الى دهاليز الذاكرة وعبر رحلة الحياة لنقف معه وهو ينتظر محبوبته حاملة حقيبتها ووجهها الطفولي المشرق , وظفائرها الذهبية , وجسدها المثير , ونصوص اخرى تنقلنا الى عالم وحشة النفس عندما يشد العاشق حقائبه مسافراً تاركاً حبيبته , ليعلن من هناك نفحات حبه واشتياقه لها , فالشاعر في هذه المجموعة يرى من خلال رؤيته الشعرية , أن المرأة هي الجنة في الارض , وأن السعادة والفرح لا يكتملان الا بوجودها والقرب منها والتغزل بكل محاسن الجمال فيها , كونه يجد أن اجمل هديّة منحها الخالق لآدم هي حواء عندما اخرجهما من الجنة فكانت الجزء المتمم لحياته , وكانت هي الجنة على الارض , وتبرز الجمالية النصية لهذه المجموعة كونها اختارت الحب بكل الوانه واشكاله وتقلباته وانكساراته وتداعياته وفرحه وحزنه جزء مهم ومساهم ومشارك في البنية النصية لتلك النصوص , وجعل المرأة هي الكيان المهيمن والاكثر بروزاً فيها , حيث أنه لم يبرح من هذا العالم , ولم يغادره , بل أنه ظل مرابضاً فيه , ليزجنا في واحة معشوشبة خضراء تنبعث منها عطور الزهور الملونة , وتحوم فيها الفراشات الملونة, ويهب فيها نسيم عليل, ليذكرّنا بهذا الجانب من حياتنا , وأن الإهداء خير دليل على اننا سوف نرحل الى هذا العالم , عالم الحب والجمال , والقلوب العاشقة , ولن نبرحه حتى تنتهي أخر قصيدة شعرية فيه ويقول فيها (قصيدتي بدأت بكِ .. وكان الجنون ) وهكذا فأننا نجد انفسنا منساقين الى حيث هذا الدفء , وهذا الحنان , وضمت تلك المجموعة انساق ثقافية مضمرة كونها مرتبطة بالجذور ومتعلقة بهذه الارض , وهذا البلد , حيث يشير الشاعر في احدى قصائده الى مدينته ومسقط رأسه يعقوبة مدينة البرتقال, وتظهر تلك الانساق من خلال النسيج الواضح في صياغة القصيدة , وكذلك نجد فيها رسالة انسانية كبيرة , تؤكد أن بالحب يمكن ان يعيش المرء بود ووئام وسعادة وراحة , وكذلك نستشف من خلال التحليل النصي , أن تلك النصوص تنتمي الى اصلها “الشعر” وتمتد الى جذوره حيث نجد هذا الاتصال واضح من خلال انتقاء المفردة الشعرية الحسية الاصيلة التي تعطي رؤية شعرية لوحدة الموضوع , في النص الشعري (حكايتي أنتِ) يقدم الشاعر بوح اعترافاته لمحبوبته وهو يتغزل بمفاتنها مستعرضاً وحشة الروح بدونها :-
لستُ أكذوبة
أنا رجل شرقي
أبكي بلا صخب .
دمعي يعتق كالخمر
أفترش به الارض حزناً
والتحف بالوجع
صامتاً كخرير جدول ظمآن ..
بعيداً عن جسدكِ الرخامي
ونجد في النص الشعري (قالت لي العرّافة) حيث تقدم لنا العرافة في البنية النصية للشعر حالة تنبأية موحشة لمسيرة حياة العاشق:-
أسرار
أسرار
شواهد بحيطان فنجانك
متشابهة
ترتدي البياض
ولجة نيران بزواياك
كرعدة ضمآن
يقال متاهات بحيراتك عارية الاضواء
اما النص الشعري (بطاقة دعوة) فأنه يستعرض امامنا العاشق وهو يودع محبوبته
مرتدية ثوب الزفاف لغيره
أقف مبتهلاً الى خالقي
أنظر في نفسي
لي أمنية في اول الفجر
ثوب زفافك ليشيع جنازتي
يبرىْ خطيئتي بلونه الابيض
هذه محطتي تحتوي غربتي
ويقدم لنا الشاعر حالة الانتعاش والنشوى والفرح في النص الشعري (عاد القمر) للعاشق وهو يرافق محبوبته ويعيش معها لحظات من الود والوئام :-
معاً
نصطاد القبرات
مرتجفين من البرد
نجري
نجري
تتبعنا نجمة قصوى
وفراشات في زحمة الفرح
وفي قصيدة (بائعة الورد) نعيش رؤية شعرية اخرى , اذ نكون في مصر ونتابع بائعة الورد على ضفاف نهر النيل:-
ليل يتهادى
على ضفاف النيل
وجهها ينتفض بوجع
عيناها تحاور أضواء المدينة
تترقب القدوم اليومي
في شارع يتكىء على خطواتي المبعثرة
وفي النص الشعري القصير(إفلاس) وهو يقدم لنا الحرمان والفراغ بدلالة رمزية وصورة استعارية :-
بالأمس
تسللت بصمت
حلم يستفزني
أفقْ ..
أرث بطعم النعناع
أفقْ..
أحمرَ القمر
جوع رغبتي
أفقْ..
أحضن نومي
إفلاساً
وفي النص الشعري (الفرحُ يرسم لوحتي) والتي حملت المجموعة اسمها , نعيش حالة الفرح الذي طرز اغلب النصوص , والرؤية المتفائلة للشاعر, الذي يؤكد أن لا سعادة ولا فرح بدون حب , ولاحب بدون امرأة , ولا حياة الا باقترابهما:-
أغمس فرشاتي بلون عينيك
أرسمك
بكل الالوان
أحرف متوهجة بلون الشمس
جسدك الدافيء
وجنتيك
والف آلهة تحرسك
أيا تعويذتي الشرقية
أن المجموعة الشعرية (الفرحُ يرسم قصائدي) للشاعر عدنان جمعة رحلة زاهية مطرزة بالوان الفرح نحو الحب والشوق والهيام والوجد لعاشق يعيش العشق بكل الوانه , وقد استخدم لغة شعرية تنسجم والسياق الفني لبناء النص الشعري, وانتقى مفرداته الشعرية الحسية العميقة بدلالاتها وصورها واستعاراتها وانزياحاتها من اصول الشعر الممتد عبر التاريخ …!

