حوار /عمراواره
عادل مالك شاعر(شاعر ما امكن) من جمهورية تونس الشقيقة ، من مواليد مدينة قصيبة المديوني في ولاية المنستير بجمهورية تونس 1968، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب والحضارة العربية من كلية الآداب بجامعة تونس 1997، حاليا يعمل أستاذا في مجال التعليم الثانوي بالمعاهد التونسية ، له العديد من الأصدارات الشعرية والنثرية منها كتاب الأسرار وأوامر الشيطان وليت الكمنجات نساء ومن أحاديث شاعرية الحب ، التقينا به وكان هذا الحوار
_من هو عادل مالك أو شاعر ما أمكن؟
_شاعر ما أمكن هي صفة عادل مالك الشّعريّة فمن قناعاتي الفعليّة آنتمائي إلى العقل النّسبيّ الذي يحمي من خيالات الأوهام لا سيّما فيما يخصّ سياق الشّعر و الشّعراء فكلّ شاعر بمنجزه هو فعليّا آبن الشّعر في حقبة من حقباته لا غير فيظلّ محدود القول مهما قال ومهما نحت من روحه و آبتكر من حروفه إذ الشّعر أكبر من كلّ شاعر مهما كُبر وعلت قامته الشّاعريّة و ثقُلت موازينه الشّعريّة فعلى كلّ ذاتٍ شاعرة أن تعلم بدقّة حدود قدرتها ..فهكذا هي حقيقة العلاقة الطّبيعيّة بين الشّعر و أيّ شاعر كان من كان فالمنظار العلميّ للأمور يحتّم ضرورة الحذر تجنّبا لكلّ إمكانيّة للوهْم أو التّجنّ أو الزّيف و أنا جدّا مرتاح لهذا القيد الواضحِ المواصفات و الصّفات و به أفكّر و أنحت و أبتكر عندما أكون داخل مرسمي الشّعريّ أو حتّى صامتا سواء داخله أوخارجه.
_ متى كانت بدايتكم الشّعريّة و ما هو الحافز على هذا اللّون من الإبداع ؟
_من المؤكّد أنّ الشّعر الذي فيَّ قبْل أن تتفتّح عيناي على قصائد غيري ممّا أحببت فمثل كلّ شاعر هو الذي ألحقني بعالم الشّعر العجيب إذ الغرباء عنه لا يفلحون في ولوج أبواب المشاعر المنحوتة نحتا و المنقوشة نقشا كما يجب دائما أن يكون الحال في الشّعر إذ هو الذي قد قادني مطلع شبابي الأوّل في حدود السّنة الرّابعة عشرة منه إلى الآنتباه إلى أنّ في روحي رنّات من حبّ فلسطين فكانت أولى قصائدي في مغازلة القدس و من هناك تتابعت المحاولات من بنات قريحتي و أمسكت بي ملهمات الشّعر متلبّسا بالإدمان الصّبور في الإقبال على ثمارها حتّى أغوتني وأغويتها فدامت عشرتنا بلا آنقطاع . و أمّا ما ظلّ يشدّني إلى قول الشّعر هو نزوعي الدّائم إلى فنّ الحبر في لغة الفُرشاة حيث عالم الخيال و التّخييل و المجاز و توقيعاته بنغمات الإيقاع و الأجراس وألوان الأصوات فكنت و لازلت أصطاد ما يروقني و يثيرني في بناء الصّورة تنضيدا و تحويرا و تحويلا و تركيبا و تجريدا و غير ذلك من فنون آلتقاط الصّور الشّعريّة فالتّصوير الشّعري فنّ لا حدود له من حيث إخراجاته و مضامينه و البحث في أعماقه التي لا تنتهي فلا تنتهي لذّته قطُّ
_ ماذا وجدت في الشّعر حتّى جعلته أوّل آهتماماتك الإبداعيّة ؟
_ما وجدته في الشّعر هو سحرالشّعر ذاته فأكثر ما في قواي التّعبيريّة لغة التّعبير بالمشاعر المرفقة بالصّورة و الصّوت آستقراء و كتابةً لذلك توجّهت نحو ملكته النّطقيّة ومهاراته التّعبيريّة فتناغمتُ مع المعاني و الأصوات والإيقاعات و المجازات التي يوفّرها لي كي أستمتع ممكنات هذا الفنّ الكبير و العريق فبه أقرأ ما حولي و أعلن ما أطمح إليه . فالشّعر مرآة يشاهد فيها الشّاعر ملامح وجهه و قسماته في الأحوال و الأوضاع المتنوّعة ما ظهر منها و ما بطن كما هي أو كما يحبّ أن تكون و كلّ ذلك يمكن أن يشاهده أيضا مَن يقبل على مواجهة شاعريّة تلك المرآة .فالشّعر هو لغة تواصل مع الذّات و مع الغير سواء كان من الأشباه و الأقرباء أو من المخالفين و الأضداد في الشّعور و الفكرة و الإحساس في كلّ لحظة من مفاصل دورة الزّمن أكانت في الماضي أو الحاضر أو المستقبل . فالشّعر إذا لغة ترابط مع ذوي القربى و تراسل مع القابعين في البعد فهو في آن همزة وصل وأداة عطف و سدٌّ ضديد للمنع و القطع.الشّعر من أهمّ جسور التّواصل بين أحبّاء الكلمة مهما تباعدت الضّفاف في المكان أو في الزّمان و حتّى في الموقف
_ كيف تنظر إلى دور اللّغة في نصوصك الشّعريّة ؟
_لغّة الشّعر لها خصوصياتها الواسعة فهي لا تكتفي بلغة الحروف و الكلمات فحسب بل تتعاضد مع لغات أخرى منها لغة الإيقاع و لغة التّصوير و المجاز و لغة المزاج الذي عليه الشّاعر نفسيّا أو ذهنيّا أو ثقافيّا أو لغة القصيدة الواحدة و أو لغة المرحلة الشّعريّة الواحدة ضمن التّجربة الواحدة إذا لغة الشّاعر هي مَعين واسع من حيث درجات الوعي بمدارجها و عمق قدرات توظيفها التّوظيف الشّعريّ اللاّفت و تلوينها التّلوين الشّاعريّ الخدوم و الجذّاب..فالرّسام رسّام بالألوان و الشّاعر يجب أن يظلّ رسّاما بلغات شتّى داخل اللّغة الواحدة حتّى لا يكون متكلّما عابرأو ما عليه دائما إلاّ أن يسكب أجمل الألوان في ألوان لغته حتّى تنجب فرشاته أبدع اللّوحات و ربّما قوس قزح لا يكون له طعم إلاّ في حضرة قوس ألوان جديد
_إلى أيّ مدى يشغلك القارئ و أنت تكتب شعرك ؟
_القارئ هو الشّريك الضّمني منذ أوّل وهلة في نشأة القصيدة فكلّ ما نويته كتابة فهو من أجله وكلّ ما يتمّ الآنتهاء من ترتيبه شاعريّا و شعريّا شكلا و مضمونا إنّما يكون هو الواسطة فيه و الجسر الذي يؤدّي إلى آستخلاص أيّة قصيدة من منابتها و أحوالها المتضافرة شعورا و فكرة و منجزا فنيّا بلسان الآبداع والآبتكار فالقارئ لابدّ أن يكون ضمن وعي الشّاعر بلحظة الكتابة فيوفيه حقّه في الحضور المعتدل دون تزيّد أو نقصان من أمره و تلك ملكة يحتاجها كلّ شاعر ليستقيم إبداعه مسموعا و مرئيّا داخل البيئة التي يضخّ إليها قريحته فالقارئ هو عنوان حياة و مركب إبحار لتطأ أقدام كلّ من القصيدة والشّاعر تلك الأرض حيث يجب أن تسمعه الآذان و آذان القلوب و العقول فهو كلّما زاد في بلوغ أبعد المسافات هناك صار مكين الحضور و ثابتا بوقفات ثابتة هو في حاجة لتكون بينه و بين عالم القراءة و كلّ قارئ فيما يخصّ القراءة الاستهلاكيّة البسيطة أو في إطار القراءة النّقديّة الاكاديميّة المؤسّساتيّة فالقارئ قرّاء و لابدّ أن ترتقي القصيدة إلى قامة كلّ قارئ حيث هو و حيث موقعه التّواصليّ معها لمّا يكون موجودا

