Pdf copy 1

     حوار /عمراواره
“سيرة الياقوت” ديوان يعلن استبداده ويصرّح أن من يلج  في عالمه  ويدخل غرفاته السحرية لا يخرج منه حتى يتذوق آخر عنقود من حروفه الشعرية، هكذا هو الديوان يشد المتلقي بدءاً من عنوانه الذي قدم فكرة أن يكون للياقوت سيرة وتأريخ لينتشر عبقه ويفيض شذى شعرياً شفيفاً.
أما عتبة الإهداء فهي عتبة  تفتح باب التأمل  إذ أعلن الشاعر أنه شد الرحال الى عالم الجمال وأنه نذر حروفه ونثر روحه له ، عله يصل ويحط رحاله قليلاً  في ظلال ذلك  الجمال المنشود :
وردة الإهداء:
الى
الجمال القاتل وحده
لعله يسمح لي بنزول قافلتي المرتحلة 
في ظلال شجرته المقدسة قليلاً
إن نور السر  لِكَفِّه الشعرية كرامة وهي تَصَالحُ الموروث مع الحداثة وتناسقهما وتناغمهما ليقدما  صورة شعرية حداثوية أعلنت أن للشعر سمةً تواصليةً  إذا ما عزف موسيقاها شاعرٌ ماهرٌ مثل البيومي ، فما بين المعجم الصوفي ومفرداته وأفكاره ورؤاه و صور الطبيعة وواقعها  الجمالي الخلاب  وما تضمه الأرض من كنوز ومعالم يمزج الشاعر ليخلق نصوصه الشعرية المموسقة ذات الطابع النغمي الهادر.
إن في سيرة الياقوت  معادلةً رؤيويةً  للشاعر وهي
البحر+ الورد + الماء + النور+ العشق= المرأة= الجمال
فالشاعر جعل ديوانه ينهض على صور الطبيعة ومفرداتها فنجد في ديوانه ( البحر ، الماء، الورد،  الياقوت، البستان ، الصفصاف ، النوارس، الزبرجد، الفضة، الفيروز، التفاح ، التوت، العنب، النعناع، الزيتون ، السدرة .. الخ)
إذ استثمر هذه المفردات في تقديم صور جعلها تخدم المرأة  الحبيبة وتعكس سيرتها ، فهي صورة الجمال الذي ينشده الشاعر وعليها بنى عالمه الشعري.
في “ سيرة الياقوت “ تجد مصطلحات الفكر الصوفي ومفرداته تمتزج مع الطبيعة وتذوب في روحها لتعلن ولادة هذه النصوص  ومنها( إمحاء ، خلوة، سكر، انخطاف، وِرد،مدد الخ..).
إن غرض  الديوان هو الغزل ولكن قد تنقسم النصوص وفِي إطار الغزل الى الحب الإلهي والى غيره ، أي الحب الإنساني وما بين هذا وذاك تجد الشاعر يراوح بين الرمز والواقع ، بين الروح والمادة فتراه يقترب من التصوف ويقدم نصوصاً رمزية غرضها هو “ الحب الإلهي” ونجد فيها المرأة الرمز مثل “ ليلى “ التي تكرر ذكرها تسع مرات في الديوان ، إذ تمثلت رمزا يدل على محبوب الشاعر ومبتغاه كما في نص(٣٨):
أَلَا لَوْلَا الهَوَى 
لَوْلَا
لَمَاتَ المَاءُ يَا لَيْلَى
لَجَفَّ النُّورُ 
فِي الآفَاقِ 
غَصَّ بِرِيقِهِ رَمْلَا
أُحِبُّكِ؛ 
غَرَّدَتْ بِحُرُوفِهَا 
أُمَمُ الضُّحَى أَحْلَى
أُحِبُّكِ؛ 
مَا سَماً 
إِلَّا تَرَقْرَقَ دَمْعُهَا الأَغْلَى
وتارة أخرى يميل الشاعر الى الواقعية ليكون شعره مادياٍ أو مادياً وروحياً معا..
نص رقم (٢)
لِمَاذَا 
قَدْ تَنَكَّرَ لِي؟!
وَضَيَّعَ لَيْلَةَ الجَبَلِ؟!
لَقَدْ عَذَّبْتُ 
سِدْرَتَهُ، 
وَعَذَّبَنِي عَلَى مَهَلِ
وَأَشْعَلْنَا 
كَوَاكِبَنَا 
عَلَى وِرْدَيْنِ مِنْ قُبَلِ
وَذَوَّبْنَا 
جِبَالَ الوَرْدِ 
فِي صَحْنَيْنِ مِنْ عَسَلِ
وعلى هذه الأوتار يبقى الشاعر عازفاً  لينتقل  بالمتلقي من لوحة الى لوحة ومن عالم الى عالم.
تتضح في الديوان ذات الشاعر الهائمة ، الحائرة  الباحثة عن تحققها ووجودها ، أو الذات التي مازالت تبحث عن مرفأ الجمال لترسو فيه  وتشعر باستقرارها ، لذا تجد  الـ( أنا) تتكرر كثيرا مقابل الآخر ( هي ، هو، أنتِ).
يقدم الشاعر  اي ديوانه صورا فنية جميلة عن طريق استعاراته المكنية التي تصدرت الديوان فضلا عن تشبيهاته الماتعة: نص (٨٤)
أَرَادَا مَرَّةً 
شَيْئاً 
وَهَزَّا جِذْعَ نَجْمَتِهِمْ
أَنَامَا الحِبْرَ 
وَالكَلِمَاتِ 
فِي مَلَكُوتِ نِعْمَتِهِمْ
وَدُونَ دِرَايَةٍ
 كَتَبَا الَّذِي 
فِي غَيْرِ عَزْمَتِهِمْ
كَأَنَّ 
أَصَابِعَ العُشَّاقِ 
لَيْسَتْ تَحْتَ رَحْمَتِهِمْ
 يمتاز التركيب الصوتي في الديوان بخصائص ماثلة  تجسدت في الجناس والتكرار والإنسجام الصوتي  في نصوص الديوان  كله
نص رقم (٩)
سَأَكْذِبُ 
فِيكَ؛ 
وَالكِذْبَاتُ فِي اليَاقُوتِ مَغْفُورَةْ
فَلَا أُمِّي، 
وَلَا أُخْتِي، 
وَلَا النِّسْوَانُ مَحْسُورَةْ
رَأَيْنَكَ 
فِي اشْتِعَالِ الحُسْنِ 
رَنَّمَ فِيكَ مَزْمُورَهْ
أَنَا المَلْآنَةُ الخَضْرَاءُ 
بِالأَسْرَارِ 
وَالسِّيرَةْ
إن البيومي ماهر في توظيف اقتباساته القرآنية وتناصاته وتقديمها بفنية عالية مثل:
نص ( ١٠٧)
وَمَاذَا 
فِي الَّتِي تَـتَـعَـشَّقُ النِّيرَانَ 
مَسْبِـيَّةْ؟
أَنَا النِّيرَانُ 
مَا أُخْفِي
أَحَايينـاً خُرَافِيَّةْ
وَحِينـاً 
فِي هُبُوبِ الضَّوْءِ 
أَقْطُرُ أَلْفَ وَرْدِيَّةْ
وَفِي كُلٍّ
أَنَا لَيْلَاهُ
رَاضِيَةً، وَمَرْضِيَّةْ.
يميل الشاعر في سيرة ياقوته الى تدويم الصيغ فتارة يدوم النداء وتارة أخرى يدوِّم الأمر  وتارة يدوّم الاستفهام:
نص( ٩٧)
دَعِيكِ 
مِنَ الخَيَالِ 
أَلَسْتِ وَرْدَ حَدَائِقِ النِّعْمَةْ؟!
أَلَسْـتِ 
جَوَاهِرَ الإِحْسَانِ 
مَزْرُوعٌ بِهَا الحِكْمَةْ؟!
فَكَيْـفَ 
تَرَيْنَ فِي اللَّوْعَاتِ 
لَا إِلًّا، وَلَا ذِمَّةْ؟
أَيُرْضِي رَبَّنَا عَطَشِي 
أَنَا؟
هَلْ جَفَّتِ الرَّحْمَةْ؟!
وهكذا ما بين الموروث والحداثة ، ومابين التصوف  والواقع ، وما بين مرجعيات الشاعر الفكرية وثقافته الشعرية ، ينتصر الشعرُ  ويعلن ذاتيةَ غايته ، فهو فن يُطلب لذاته ولا يقبل أن يُشرك به غيره ، وهذا ما بينه ديوان “ سيرة الياقوت “ الذي بفنيته أثبت أن الشعر أولا، وبفنيته أثبت أن البيومي يمتلك مفتاحيين شعريين ، يتوافقا معاً وينسجما في جعبته  من دون تخاصم أو اضطراب  وهما : مفتاح مفتاح الموروث الصوفي ومفتاح الحداثة .
كانت هذه إضاءة حول ديوان “ سيرة الياقوت”   وهذا ما تسيره آلية القراءة  وإلا فإن الديوان مليء بالخصائص الأسلوبية  التي لا يتسع ذكرها هنا، فسيرة ياقوت البيومي آية جماله الشعري ودعوته  الى الحياة المتجددة.

التعليقات معطلة