Pdf copy 1

      حوار/قاسم وداي الربيعي 
الدكتور كريم صبح ولد في كركوك عام 1969 حصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ عام 2006 . يعمل تدريسي منذ عام 2000 . لم يمنعه عمله الأكاديمي من الكتابة . فكتب القصة وأبدع فيها صدرت له مجموعتين قصصيتين . يعمل بصمت كعادته التقيته على عجلٍ فدار بيننا الحوار التالي 
__ البداية والتجربة القصصية 
 ارتبطت البداية بقراءاتي المتواصلة للسرد القصصي والروائي لكتاب عراقيين وعرب وأجانب، تلك القراءات التي أوجدت في نفسي ميلا إلى محاولة ولوج عالم الأدب المهيب شروعا بخواطر وأفكار قصص لم تر النور أبدا. ولكن تشجيع أساتيذي في الدراسة الإعدادية وفي الدراسة الجامعية عندما كنت طالبا، دفعني إلى إعادة محاولة كتابة قصة قصيرة تمتلك المقومات الفنية للقصة القصيرة. وهكذا نجحت. فقد شهد عام 1998 نشر قصتي القصيرة الأولى، وكانت بعنوان “ رجال وإناث “.
__ كيف ترى الواقع القصصي اليوم، وهل أنت راض عما ينشر ؟
 لو قدر لمراقب أجنبي أن يزور المتنبي في يوم الجمعة لتيقن من أن وطننا حي بجمال الحياة التي يصنعها أبناؤه. فعلى الرغم من المآسي والمحن التي كان العراق عرضة لها، فإن مبدعيه من قصاصين عبروا عن تلك الحياة على نحو يثير الإعجاب، ناهيك عن أنهم كانوا أمناء وصادقين في التعبير عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة وانعكاساتها السلبية والايجابية على المجتمع. ويكفي هنا الإشارة إلى ترشيح أو فوز أكثر من قاص عراقي بجوائز عربية مرموقة، أخرها المرتبة الثالثة التي حققها قاص عراقي في “ جائزة الطيب صالح “. إذن الواقع القصصي مفرح ومدعاة إلى الفخار، لكن ذلك لا يعني التسليم بجودة كل ما ينشر.
__ المشهد النقدي العراقي، كيف يراه الصبح ؟
لديمومة ذلك المشهد وحيويته وتواصله مع ما ينشر، علاقة مباشرة بعامل مهم، وهو وجود نقاد على درجة كبيرة من الاحتراف والمهنية، امتلكوا أدوات حرفتهم التي مكنتهم من القيام بمهمتهم النقدية، تلك المهمة التي اشتملت على صعوبة كبيرة في ظل كم كبير من الإعمال الأدبية المنشورة تفاوتت في قيمتها الفنية والجمالية. فيحسب لنقادنا هنا أنهم العامل والضابط الرئيس في تشجيع مواطن القوة في المنجز القصصي وتأشير مواطن الخلل فيه. أنا مثلا، احترم رأي القراء بشأن المجموعتين القصصيتين اللتين أعلنت عنهما قبل أيام، لكن ما يهمني أكثر هو رأي النقاد ، فعين الناقد المدققة تجنبك تكرار مواطن الخلل في إعمال أخرى.
__ من أين تستوحي مشاهدك، البيئة، المحيط، ذاكرة الطفولة ؟
الثلاثة معا، فالإنسان ابن بيئته، وهو لا ينفصل عن محيطه، ويصعب أن تمحى ذكريات الطفولة مهما تقادم الزمن. ففي قصة تجد أن البيئة طغت على المحيط وذكريات الطفولة، وفي قصة أخرى، تجد أن ذكريات الطفولة طغت على البيئة والمحيط. فعلى سبيل المثال، استوحيت فكرة قصة “ ألف امرأة وامرأة” التي كانت بين دفتي مجموعتي القصصية الأولى “ الغزل ليس حكرا على الرجال “ ، من منظر آلمني إنسانيا جدا. ففي صباح باكر بارد قبل سنتين ، خرجت من البيت ووقع نظري على عجوز بعمر والدتي عند مزبلة المحلة وهي منشغلة بوضع قناني “ الببسي والسفن “ الفارغة في كيس كبير بالكاد كانت تقوى على حمله. ولعل الصدق المستمد من البيئة، هو الذي فسر – مثلا – أن كثيرين اخبروني أن تلك القصة تحديدا أبكتهم، وهو أمر متوقع، لاسيما أن فكرتها ارتبطت بالواقع وبيئة الفقر والعوز.
__ كيف توفق بين العمل الأكاديمي وكتابة القصة؟
ليس من طبعي – في حياتي العامة إجمالا – أن ينصب اهتمامي على جانب على حساب جانب آخر. ولكن ثمة خصوصية للأمر هنا. فتدريسي في الجامعة هو عملي الأكاديمي الذي يوجه لخدمة شريحة معينة واحدة هي الطلبة، وهو عمل يستمر طوال عام دراسي كامل ( أيلول– حزيران )، في حين ترتبط كتابة القصة بفكرة لا تولد في كل وقت. فقد يمضي وقت طويل قبل أن تلمع في ذهني فكرة قصة تستحق أن تدون على ورق. هذا هو الفاصل بين مهنتي الأكاديمية وكتابة القصة.
__ المشهد الثقافي العراقي والعربي، كيف يراه القاص كريم صبح ؟
يصعب فصل الثقافة بحركتها العامة ومنجزها العام في أي مجتمع، عن واقع ذلك المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فالثقافة – قبل كل شيء – هي صدى لأفراح مجتمع وأتراحه، رفاهيته وعوزه. ولذلك تجد أن المشهد الثقافي العراقي كان ناجحا إلى حد كبير في مواكبة التغيير السياسي الذي شهده العراق في عام 2003 وما ترتب عليه من تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، والتعبير عن الحرية والانفتاح في منجزاته المتعددة. الحال نفسه انطبق على المشهد الثقافي العربي، مع ملاحظة تلك التحولات في كل بلد عربي على حدة، ولاسيما في بلدان ما عرفت باسم “ ثورات الربيع العربي “.
__ ما يشغلك وأنت الأستاذ الجامعي ؟
قبل أي شيء وكل شيء يشغلني وجع كبير اسمه العراق، هذا الألق والعنفوان الضارب في العراقة والحضارة. فيؤلمني جدا انه لم ينل – حتى هذه اللحظة – ما هو أهل له من رفعة وشأن بين الأمم القريبة والبعيدة، يؤلمني الفقر والعوز الذي يصدمني يوميا في مناظر شتى، يؤلمني الموت الذي أراد الإرهاب نشره في ربوع الوطن، يؤلمني ألا توجه ثروات البلاد الكبيرة لازدهار البلاد وتقدمها ، ويؤلمني أن أرى بلدانا قريبة وبعيدة قد سارت حثيثا في درب التقدم والرفاهية ، في حين أرى بلدي مكبلا بأزمات ومحن متعددة. هذا هو ملخص ما يشغلني.
__ هل بحثت يوما عن الشهرة أم أنك تكتب لنفسك، كما يدعي البعض ؟
وجب القول أن أية شهرة هي وليدة منجز متميز. فهناك مؤرخ مشهور وطبيب مشهور وممثل مشهور وشاعر مشهور، مثلما هناك قاص أو روائي مشهور؟ وفي هذا السياق، وجب علي هنا الاعتراف – في مجال القص تحديدا – إنني ما زلت في بداية مسيرتي، والدرب طويل وشائك وليس سهلا، فإذا أتتني الشهرة فهي لن تأتيني بين ليلة وضحاها، وحتما ستكون – إذا ما أتت – ثمرة منجز متميز هو نفسه نتاج تجربة طويلة وتراكم خبرة.
وبشأن الشق الآخر من الإجابة، فإنه يصعب القول إنني أكتب لنفسي. فثمة ضرورة لاطلاع الآخرين على ما  اكتبه من قصص.
__ كيف ترى حرية النشر ، أم انك من الذين يطالبون بضرورة وجود رقابة على ما ينشر ؟
لا تستقيم الحياة الأدبية ووجود رقابة صارمة قد تقتل كل جانب إبداعي في المنجز الأدبي. فحرية النشر مطلوبة في هكذا منجز لمنحه فضاءا واسعا يتيح له حرية التقاط موضوعات قد تقترب – أحيانا – من المحظورات. فلست مع فرض رقابة على ما ينشر. فقبل كل شيء، صاحب المنجز هو إنسان ابن بيئته ومحيطه، صاحب إحساس مرهف بالجمال والحزن والفرح ، ويسبق غيره في تحسس آلام مجتمعه الذي يعيش فيه، فيكون لسان حاله في التعبير عنها، وكبت ذلك التعبير هو تغافل عن تلك الآلام، ووأد ملكة الإبداع التي تصحبه في الغالب.
__ أراك تعمل بصمت بعيدا عن الضجة. هل هي خطوات واثقة أم محنة ترافقك ؟
العمل بصمت مبدأ اتخذته لنفسي في حياتي الأكاديمية وامتد إلى القص. فكنت إذا عزمت على كتابة بحث أو كتاب في مجال تخصصي التاريخي، أتخذ جانب الصمت التام، فلا أتحدث عنه إلا بعد انجازه ونشره. فالحديث عنه قبل ذلك قد يشوش أفكاري وقد يشككني في قيمته، بل قد يدفعني إلى التخلي عنه نهائيا. الأمر نفسه طبقته في مجال القصة. فبعد صدور المنجز الأدبي يمكن الإفادة من الآراء التي تثار بشأنه، لتلافي سلبياته وتعزيز ايجابياته.
__ منجزك قصصي، وكيف تنظر إليه ؟ 
مجموعتان قصصيتان، الأولى بعنوان “ الغزل ليس حكرا على الرجال “ والثانية بعنوان “ بائع الألم “ ، وهما موضع قلقي الحقيقي. فقبلهما كنت أعد نفسي هاويا، أما الآن فأنا بصدد الانتقال إلى مرحلة الاحتراف. وها أنا اليوم بانتظار ردود أفعال النقاد

التعليقات معطلة