عاطف محمد عبد المجيد
“ مخطيء من يظن أنّ في الكتابة خلاصًا، فالأمثلة كثيرة على من كتبوا، ثم انتحروا في النهاية، أو ماتوا منسيين في مصحات، أو حتى على أرصفة الشوارع “. هذا ما جاء على لسان حسين / الراوي البطل في رواية “ حافة الكوثر “ لـ علي عطا، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، وفيها يروي علي عطا السيرة الذاتية لبطله حسين الصحفي الذي يعمل محررًا في إحدى وكالات الأنباء، ويمارس الكتابة وفي فترة ما، تزامنت مع انشغال الناس بتبعات الثورة، تضطره إصابته بمرض الاكتئاب إلى دخول الكوثر / المصحة النفسية الواقعة في حي المعادي. الرواية تطرح سؤالا قلِقًا وهو أين سيذهب كل هؤلاء المرضى الذين يُعالجون فيها من أمراض نفسية مختلفة، إذا ما تجرأ أحد الجشعين وقام بهدمها كي يبنى مكانها برجًا طويلًا عريضًا ؟
فلاش باك
حافة الكوثر التي تقع في مائة وخمس وخمسين صفحة، ويقسمها علي عطا إلى خمس وعشرين مشهدًا روائيًا، يستخدم في بعضها تقنية الفلاش باك، إذ يعود ما بين الحين والآخر إلى طفولة الراوي ونشأته في مدينة المنصورة وممارسته للعمل طفلا ودخوله إلى المدرسة متأخرًا بعام عن السن المدرسي، وحديثه عن أبيه وأمه، تمتاز بتدفق السرد وبساطة اللغة وتأتي في صورة رسائل يرسلها الراوي إلى صديقه الطاهر يعقوب الذي يقيم خارج البلاد عبر الإيميل، أو من خلال صفحته على الفيسبوك.أيضًا ترى الرواية أن الكوثر أصبح ملاذًا آمنًا لمن دخلوه سواء أقاموا فيه طويلا، أم قصُرت مدة إقامتهم فيها، حتى إنه صار وطنًا بديلًا للوافدين إليه، وإن تم هدمه إو إغلاقه لأي سبب آخر فلن يكون لهم مأوًى سوى شوارع لا ترحم ساكنيها. هنا يمكننا أن نقول إن الكوثر على صِغره قد يكون صورة مصغرة لوطن كبير يضم أفرادًا لكل منهم مرضه / مأساته الحياتية والتي تُعيق سير حياته بشكل طبيعي.
قضية الكتابة
علي عطا الذي يفتتح روايته هذه بمقولة لـ نيكوس كازانتزاكيس يقول فيها: “ إنها لمعجزة هذه الحياة، كيف تمتزج بها أرواحنا عندما تغوص داخلنا ونعود إلى جذورنا ونصبح شيئًا واحدًا “، ربما يريد أن يقول لنا إننا بحاجة إلى أن نغوص داخلنا لنكتشف أنفسنا جيدًا، أنفسنا التي نقسو عليها كثيرًا وتظل تتحملنا إلى أن يفيض الكيل بها فتضطر لأن تعاقبنا وتشد آذاننا وهي تستسلم لمرض نفسي أو عضوي، نقاسي آلامه وعذاباته إلى حين.في حافة الكوثر يحدثنا علي عطا، أو حسين عن أحوال البلد بعد سقوط حكم الإخوان، عن كُتّاب البيست سيللر وسرقاتهم الأدبية، عن إبراهيم أصلان، عن صلاح جاهين، وعن صحفيين وكتاب آخرين، وعن الاكتئاب الذي يقع كثيرون فريسة له، وعن كُتاب يموتون في منازلهم أو على الأرصفة بعد أن يرفع الجميع أياديهم عنهم ولا يَلقون أية عناية لا من أفراد ولا من جهات مختصة.حافة الكوثر تطرح كذلك عدة قضايا مجتمعية منها تلاشي مظاهر الريف رغم أنه لا تزال هناك بقايا من عبق الماضي، وكذلك قضية الكتابة، هل هي للشهرة أم لاتخاذ موقف من الوجود والعدم.هنا يستعيد الراوي ذكرياته وانتقاله من بلدته التي ولد وعاش سنين طفولته فيها إلى القاهرة حيث يعمل، مارًا بمشاهد حياتية كثيرة تتعلق بحياته الأسرية وحياته العملية وعلاقته التي تربطه ببعض الكتاب والفنانين.في حافة الكوثر يريد علي عطا أن يقول لقارئه إنّ تَعرّض الإنسان للخذلان في حياته لأمرٌ بشع ومثله كذلك التوقف عند منتصف الطريق.

