Pdf copy 1

      رياض إبراهيم الدليمي
أن العلاقة بين مائية الألوان في لوحات الفنان ثامر الأغا في معرضه الشخصي الذي أقامه في قاعة ( ود)  للفنون في بابل في النصف الثاني من هدا العام 2016 هي علاقات يشوبها الغموض والتشتت لتعبر عن واقع غامض ومجهول مرتبط حسيا بالمفردات اليومية الحياتية التي يعشيها الفنان .
 أن تباعد النقاط والخطوط في لوحاته إنما جاءت لتبتعد عن اكادمية التشكيل بقصدانية وحرفية ومهارة الفنان  لتجسد الحقيقة التي يصورها لنا ،  الحقيقة الموجعة من التاريخ اللحظي المعاش .
لقد غابت هيمنة الألوان البراقة والمتوهجة بسخونتها لتأتي وتحل محلها  ألوانا خافته خجولة منكسرة في معناها – متألقة في تجسيد محتواها الفني المحترف –  لتعبر عن الشتات والخوف والدهشة لما حدث ويحدث .
في معظم لوحاته تجد الألوان الرمادية والألوان الفاتحة الأبيض والزهري والأصفر والأخضر الفاتح وأحيانا الأسود ، قد يتوهم الناظر أن هناك تداخلا بين إطار  اللوحة والخارج  من جهة وعلاقتهما مع الداخل النصي الفكري للوحة وثيمها ،
 أي أعطى الأغا ارتباطا حسيا خفيا مابين الخارج واشكالياته وأحداثه المهولة والمروعة وبين ثيم لوحاته التي أطرها بذات الألوان والتشكلات اللونية الخافتة ، وقد تجد تدرجا لونيا بارزا في اللوحات من لون فاتح إلى لون فاقع حالك بروية متدرجا إلى  لون حالك دون المبالغة – أي من ألوان فاتحة إلى رمادية غامقة بعض الشيء منتهيا  برمادية معتمة عند الإطار الأخير للوحة –  وهذا التدرج اللوني الذي جازف فيه الفنان  هي رسالة يبثها للمتلقي على أن التمزق النفسي للإنسان والصراع الوجودي والوجداني جاء نتيجة فعل فاعل وليس اعتباطيا  ، لأنه مسور بدقة متناهية ،  وهذه الأسوار تقيد بعضها البعض ، أي أعطى امتداد لقسوتها وبعدها الزمني ، أراد القول بصريح العبارة ووضوح الفكرة : أن الصراع والمكوث في المجهول لكائناته البصرية وشخوصه قد يستمر طويلا  في حالة الاستكانة والرضوخ  لها ، وعدم وجود ديناميكية بشرية حاشدة قادرة على كسر القيود والأسوار والإسقاطات التي فرضت عليه . لوحات الأغا لم تجد فيها كتلا لونية مكثفة قد احتلت حيزا لها على السطح التصويري للوحاته بل جاءت على شكل ضربات لونية منسقة ومتباعدة قد لا تجد علاقة ظاهرة شكلا بين انساق لوحته ولوحاته ، حيث اعتمد التجريد والتعبير لإيصال رؤاه ورؤياه للمتلقي ، حيث ضَمنها مقولات وشعارات وصرخات مكتوبة لتعبر عن التمرد على الواقع المأسور والإجحاف للمصير الذي ارتهن به الواقع السياسي لشخوصه .
 أن العمق الفكري الذي نلمسه من خلال اللوحات ظاهرا ومتجليا فيها  فتلمسه بارزا في بعض اللوحات أشبه ما يكون بطريق ملغم بالتشظي والمخاطر وتعلو فظاءاته  غماما كثيفا ملطخا بالأشلاء والخراب بعثر بتقنية في الفضاء ، موازيا في حركته مع هذا الطريق الطويل المنحدر الذي لن ترى نهاية له ، وهذه السوداوية التي اكتنفت بعض لوحاته تعبر عن حجم القلق الذي ينتابه والمخاطر التي يتوقعها في زمن مفتوح  لكل الاحتمالات المأساوية ، لكن الأغا جسد شمسا في باكورة إشراقها ارتفعت فوق كل هذه المخاطر ليعطي أملا لمتشظياته وثيمه المتمردة الصارخة الرافضة لكل ما يحدث . يبدو من خلال ملاحظاتنا لكائنات الاغا على مساحات الجسد التصويري للوحاته هي كائنات غير مرئية وليست واضحة المعالم لقد جردها من التشخيص وغرز فيها الدلالة والرمزية  ، هذه الكائنات المحتجة والرافضة للحظة الزمنية الآنية التي كبلتها قوى غريبة وعكرت صفو حياتها عندما أسقطت عليها أفكارها وثقافتها وطقوسها التي لا تتلاءم مع انساق الحياة التي تعيشها .
يبدو أن كائنات الأغا اخذ بها لتترفع و ترفع مظاهر التمرد والاحتجاج  وتسمو على رمادية الحياة وغموضها في لحظة غير متخيلة وغير محسوبة وفق اشتراطات الواقع التاريخي والحضاري لها من خلال الإحالات الشارية السيمائية المدهشة التي أوحى بها في كثير من اللوحات . كلما زادت الضغوط والأسوار على فسحة المفردات اللونية المجسدة بشخوص اللوحة كلما زادت حدة اللون من بؤرة وعمق اللوحة فتجد لونا احمرا أو اصفرا ظهرا فجأة وكأنهما ماردا مناوئا أو متحديا لكل هذا الغموض الرمادي والهدوء اللوني اللذان هيمنا على اللوحات   والقيود الإطارية المزدوجة ،  فانه أطرها بإطارين داخلي ومحيطي ليبرهن على عمق الأزمة وقسوتها ،  وهذا المارد المفاجئ يعبر عن الروح الوثابة لشعب لن يقهر مهما قست علية الشدائد والضغوط ، فظهر متلاحما كسلسلة فولاذية عاتية بوجه كل الأسوار والقيود التي تحاول فض سلاسله ومتائنه المجتمعية  ، وهي صرخة رافضة نتلمسها من خلال الكثافة اللونية بضربات فرشاة الأغا وكأنها ضربات إيقاعية على مفاتيح البيانو ليعزف نشيد الخلاص من القهر والظلم الذي آل بشخوص وكائنات لوحاته . 

التعليقات معطلة